ستانفورد ولا أخلاقية التجارب النفسية


دُعيت قبل عام أو أكثر من قبل «ملتقى الشباب الديموقراطي في الكويت»، لحضور عرض فيلم «التجربة» الحائز على جوائز الأوسكار، وتمت مناقشة مضمون الفيلم باستفاضة وبحس عالٍ من المسؤولية تجاه الفيلم الذي يمثل تجربة ستانفورد الشهيرة.

ففي العام 1971 وبالتحديد في الفترة ما بين 14 إلى 20 أغسطس منه، تم إجراء اختبار نفسي في جامعة ستانفورد تحت إشراف فريق من الباحثين يقوده فيليب زيمباردو، حيث عُني هذا الاختبار بالاستجابات النفسية للأَسرْ أو السجن، واهتمت بالظروف الحقيقية لحياة السجين والسجان.

وقد قام بأداء دور الحراس والسجناء متطوعون من الطلبة في الجامعة في مبنى يحاكي السجن تماماً، إلا أن التجربة سرعان ما تجاوزت حدود السيطرة وتم إيقافها مبكراً، وأحيطت التجربة بشكوك من وجهة نظر أخلاقية، حيث أثارت ضجة كبيرة في أوساط الأكاديميين والمجتمع الأميركي، وتم توجيه نقد واسع النطاق لهذا الاختبار وتم اعتباره منافياً للأخلاق وغير علمي.

وقد تم إنتاج فيلم «التجربة» عام 2001 حول هذا الاختبار، كما عرض في العام 2010 الفيلم الأميركي the experiment أو التجربة للجمهور وحاز كل من بطلي الفيلم فورست ويتكر وأدريان برودي على جائزة الأوسكار.

وتتلخص التجربة النفسية بتقسيم المتطوعين عشوائياً إلى قسمين متساويين مساجين وحرّاس حيث تم فرزهم بالقرعة، وأُعد السجن في قبو جامعة ستانفورد، وتسلّم الحراس عصي شرطة، وأُلبس المساجين ملابس فضفاضة خيطت عليها أرقام بدلاً من الأسماء من دون ملابس داخلية حتى يتم إجبارهم على التأقلم مع عادات ووضعيات جسمانية غير مألوفة ومزعجة، أما الحراس فقد اختاروا ملابسهم العسكرية وأعطوا تعليمات بأن يديروا السجن كما يشاؤون.

وتم اعتقال السجناء من منازلهم وأخذت البصمات والتقاط الصور لهم، ثم نقلوا إلى السجن المعد للاختبار حيث تم تفتيشهم وهم عراة ومنحهم هويات جديدة، لكن بعد فترة قصيرة خرج الاختبار عن السيطرة، فقد عانى السجناء من الممارسات الساديّة والمهينة على أيدي الحراس، حيث بدت على عدد منهم علامات الاضطراب العاطفي، وساد تمرد في السجن ووضع بعض السجناء في سجن انفرادي تحت ظروف قاسية، كما أصبح دخول الحمام امتيازاً وأجبر السجناء على النوم عراة على البلاط وحرموا من الطعام لأبسط الأسباب كوسيلة للعقاب، وتعرضوا للتحرش الجنسي والإذلال من قبل السجانين، وانهار بعض السجناء عصبياً، وازداد مع الوقت السلوك السادي عند بعض الحراس، وشاعت بين السجناء مظاهر البكاء والاضطراب بالتفكير، وعانى اثنان من السجناء من صدمة شديدة وأصيب بعضهم بالرعب الشديد، وخاصة الذين وضعوا في سجن انفرادي أو الذين عانوا من التعذيب الجسدي والنفسي، وبعد انقضاء ستة أيام فقط على الاختبار تم إيقافه وقد كان من المفترض أن يستمر لأسبوعين مدفوعي الأجر لجميع المتطوعين.

وقد تم انتقاد التجربة من قبل بعض علماء النفس واعتبروه لا أخلاقياً وغير علمي، واعتبر بعض السياسيين أن العلم البرجوازي واختباراته لا يهتمان بإنسانية الإنسان وكرامته بل وحياته، وإن هذه التجربة تؤكد أن السلطة المطلقة تخرج أسوأ ما في النفس البشرية، وتحوله إلى وحش خال من المشاعر الإنسانية، بل تثبت أن الأنظمة المستبدة والمنفردة بالحكم قد تقتل جميع أفراد شعبها من أجل السلطة وكرسي الحكم ومن خلال القمع البوليسي والاعتقالات والسجون اللا إنسانية.

وقد كتبت قبل أشهر مقالاً عن لا أخلاقية تجربة عُرضت في تلفزيون الكويت، تتمثل في استخدام علم التنويم من قبل أحد الهواة غير المتخصصين بالعلوم النفسية لحرق مواطن بالسيجارة دون أن يشعر وذلك أمام جمهور عريض من المشاهدين وفي جهاز إعلامي رسمي، وهي جريمة جنائية قد أدرجناها وزملائي في الجمعية الأميركية الوطنية للمنومين لدى الحكومة الفيدرالية الأميركية ضمن عدد من الجرائم والاستخدامات السيئة والمضرة لمثل هؤلاء الهواة من غير المتخصصين، وعلى طريقة التنويم المسرحي أو الاستعراضي المرفوض علمياً.

وحسناً فعلت الدولة بالمبادرة لتنظيم مهنة الاستشارات النفسية والاجتماعية، وحماية المواطنين من التلاعب بنفسياتهم، ونتمنى أن يخرج القانون إلى النور قريباً وبما يليق بمكانة المهنة ومكانة الدولة.

وليد الرجيب

osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0