علماء وأمراء (2)


استطرادا لموضوع المقال السابق: «قال الإمام تقي الدين: وطغى الأمراء من المماليك، وثقلت وطأتهم على الناس، وحيثما وجدت القوة المسلطة المستبدة، جعلت طغيانها واستبدادها أدبا وشريعة، إلا أن تقوم بإزائها قوة معنوية أقوى منها، ففكر شيخنا في هؤلاء الأمراء وقال: (إن خداع القوة الكاذبة لشعور الناس باب من الفساد)،

 إذ يحسبون كل حسَن منها هو الحسَن، وإن كان قبيحا في ذاته، ولا أقبح منه، ويرون كل قبيح عندها هو القبيح، وإن كان حسنا، ولا أحسن منه، ما معنى الإمارة والأمراء؟ وإنما قوة الكل الكبير هي عماد الفرد الكبير، فلكل جزء من هذا الكل حقه وعمله، وكان ينبغي أن تكون هذه الإمارة أعمالا نافعة قد كبرت وعظمت، واستحقت هذا اللقب بطبيعة فيها، أن العشرة أكثر من واحد، لا أهواء وشهوات ورذائل ومفاسد تتخذ لقبها في الضعفاء بطبيعة الوحش المفترس».

ثم فكر الشيخ، والكلام للإمام تقي الدين: فهداه تفكيره أن هؤلاء الأمراء مماليك، فحُكم الرّق مُسْتصحَب عليهم لبيت مال المسلمين، ويجب شرعا بيعهم كما يباع الرقيق، وأفتى أنه لا يصح لهم بيع وشراء، ولا زواج ولا طلاق، ولا معاملة، وأنه لا يصح لهم شيء من هذا حتى يباعوا، ويحصل عتقهم بطريق شرعي.

فرفعوا الأمر للسلطان وأرسل إليه فلم يبال أو يغير رأيه وفتواه، واستشنع السلطان فعلته وحنق عليه، وأنكر تدخله فيما لا يعنيه، وقبّح عمله وسياسته وما تطاول إليه، وهو رجل ليس له إلا نفسه وما تكاد تصل يده إلى ما يقيمه، وهم وافرون، وفي أيديهم القوة، ولهم الأمر والنهي».

فلما بلغ الإمام ذلك غضب، وأزمع الهجرة من مصر فاشترى حميرا أركب أهله وولده عليها، ومشى خلفهم يقصد الخروج إلى الشام، ولم يبعد إلا قليلا حتى طار الخبر في القاهرة، ففزع الناس وتبعوه، لا يتخلف منهم رجل أو امرأة أو صبي، وصار فيهم العلماء والصلحاء والتجار والمحترفون، (واستعلنت قوة الشرع في مظهرها الحاكم الآمر من الجماهير)، فقيل للسلطان: إن ذهب هذا الرجل ذهب ملكك!

فارتاع السلطان، فركب بنفسه، ولحق بالشيخ يترضاه و(يستدْفِع به غضب الأمة) وأطلق له أن يأمر بما شاء.

ورجع الشيخ، وأمر أن يعقد المجلس، ويجمع الأمراء، وينادى عليهم للمساومة في بيعهم، وضرب لذلك أجلا بعد أن يكون الأمر قد تعالمه كل أهل القاهرة، ليتهيأ من يتهيأ للشراء والسوم في هذا الرقيق الغالي!

وكان من الأمراء المماليك نائب السلطنة، فبعث إلى الشيخ يلاطفه ويسترضيه، فلم يعبأ به، فهاج وقال: كيف يبيعنا هذا الشيخ وينادي علينا وينزلنا منزلة العبيد ويفسد محلنا في الناس ويبتذل أقدارنا ونحن ملوك الأرض؟! إلى آخر النص وختم بقسم: والله لأضربنه بسيفي هذا فما يموت رأيه وهو حي.

فركب النائب في عسكره وجاء دار الشيخ فاستل سيفه فلما رآه الابن انقلب لأبيه يقول: إنه السيف انج بنفسك إنه الموت... فرد الشيخ: يا ولدي، أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله!

وخرج لنائب السلطنة الذي ما إن رفع عينيه إليه حتى نابه ما انتابه فبكى وسأل الشيخ الدعاء له وناشده متذللا:

يا سيدي، ما تصنع بنا؟!

فرد الشيخ: أنادي عليكم وأبيعكم.

وفيم تصرف ثمننا؟ (قال نائب السلطنة)

رد الشيخ: في مصالح المسلمين.

نائب السلطنة: ومن يقبض الثمن؟

الشيخ: أنا.

لقد كانت (الأنا) صوت الشرع لا الشيخ.

فنادى على الأمراء واحدا واحدا، واشتط في ثمنهم لا يبيع الواحد منهم حتى يبلغ الثمن آخر ما يبلغ، وكان كل أمير قد أعد من شيعته جماعة يستامونه ليشتروه.

دمغ الظلم والنفاق والطغيان والتكبر والاستطالة على الناس بهذه الكلمة التي أعلنها الشرع:

أمراء للبيع... أمراء للبيع!

الآن تفكر أيها القارئ بالجمل بين القوسين.

تلك من وحي قلم مصطفى صادق الرافعي ويذكر أنه توفي بعد نشرها بأسبوعين في «الرسالة» العام 1937، رحمه الله فأدبه لا يضاهى.

ورحم الله أحوال الشام ومصر وبغداد، عواصم الخلافة الإسلامية، يعاث فيها اليوم ممن لا يرقون حتى لصفة المماليك ولا مفتي يعرضهم للبيع!



@kholoudalkhames
أضف تعليقك

تعليقات  0