عندما اختلط حابل المعارضة بنابل السلطة



ذكرت في مقال سابق أن مصطلح المعارضة في الأنظمة الديمقراطية يطلق على الأحزاب التي لا تستحوذ على الأغلبية البرلمانية، ومن ثم لا تشكل الحكومة، فتقدم أحزاب المعارضة برنامجاً عملياً مخالفاً لما تقدمه الأحزاب التي تستأثر بالسلطة.

وتتبادل الأحزاب مواقعها حسب نتائج الانتخابات، فالحزب قد يتأرجح بين الموالاة والمعارضة حسب نتائج الانتخابات وقدرته على بسط رؤيته وبرنامجه لبناء الدولة.

فالمعارض في تلك الأنظمة هو من يعارض برنامج عمل الحكومة أو جزء منه ويدافع عن برنامج بديل.

في الكويت يختلف الوضع تماماً. فتركيبة النظام السياسي الذي يجمع بين الإمارة ونظام الحكم المتوارث وبين الدستور والمشاركة الشعبية في الحكم فرضت أسساً مختلفة لممارسة اللعبة السياسية. تاريخياً كانت التقسيمة السياسية واضحة وجلية، فهي عبارة عن السلطة بقيادة أسرة الحكم، والموالين للسلطة من أفراد أو تجمعات سياسية، والمعارضين من أفراد أو تجمعات سياسية.

حاولت أسرة الحكم منذ الاستقلال ومازالت السيطرة على مخرجات الانتخابات لضمان أغلبية موالية لها تضمن تمرير أجندتها أياً كان نوعها، مستخدمة في ذلك وسائل عدة لشراء الولاءات.

والمعارضة، تاريخياً، تتكون من أشخاص وطنيين يحاولون التصدي لفساد السلطة متى وجد، ولانتهاك الدستور والحريات، ولمحاولات السلطة فرض هيمنتها على البرلمان. أما فيما عدا ذلك، فالمعارضة السياسية تاريخياً تعاملت مع السلطة ودعمتها في القوانين والمشاريع التي تهم الوطن والمواطن والتي أدت إلى ازدهار البلد.

إلا أن واقع الحال اختلف كثيراً في السنوات الأخيرة. اختلف تحديداً عندما بدأ صراع بعض أبناء الأسرة حول الحكم يطفو على السطح ويأخذ منحى آخر. فبدلاً من أن يكون لأسرة الحكم مشروع موحد، أصبحنا نواجه مشاريع متعددة للطموحين من أبنائها لإقصاء بعضهم بعضاً بدلاً من إقصاء معارضيهم، يستخدمون جميعاً نفس الأدوات وهي شراء الوسائل الإعلامية من قنوات وصحف بمن فيها من إعلاميين وناشطين، إضافة إلى شراء من يعرض نفسه للبيع من مرشحين ونواب.

وعليه اختلفت أيضاً تقسيمة الموالين والمعارضين. فالموالي قد يكون موالياً لشيخ ومعارضاً لشيخ آخر، والمعارض كذلك قد يكون معارضاً لشيخ وموالياً لآخر، وتتبدل مواقع الموالين والمعارضين حسب تبدل مواقع هؤلاء الشيوخ في صراعهم وتحالفاتهم.

فمن ضمن أشد معارضي رئيس الوزراء السابق يوجد أشد الموالين لابن عمه، كما يوجد من بين أشد الموالين لرئيس الوزراء السابق أشد المعارضين للرئيس الحالي. ومن يتباكى على فساد رئيس الوزراء السابق يصمت صمت القبور على فساد ابن عمه بل يتحالف معه، ومن كان يهاجم المعارضة ويدعو للاستقرار قبل أشهر معدودة يتباكى الآن على حال البلد. مع العلم أن نهج السلطة في إدارة البلد لم يتغير منذ سنوات، وكل ما تغير هو كراسي المعازيب وتحالفاتهم.

ومع ظهور هذه الشريحة الجديدة من الموالين لأشخاص في السلطة اختلط حابل المعارضة بنابل السلطة، وفقد مصطلح المعارضة قيمته التاريخية، ومعه فقدنا جميعاً الدور المفترض للمعارضة الحقيقية.
أضف تعليقك

تعليقات  0