أعمال السيادة والجنسية


افترضوا أن الحكومة قررت مثلاً سحب الجنسية من عشرات ومئات المعارضين لسياسة الدولة، أو إسقاطها عن عدد كبير من الذين اكتسبوها بالتجنيس، هل يصح اعتبار مثل هذا العمل الحكومي الافتراضي من أعمال السيادة، وبالتالي لا يجوز للسلطة القضائية النظر في تلك السياسة، ولا يصح لها أن تبحث مشروعية مثل تلك المراسيم؟!

استغربت من مذكرة المجلس الأعلى للقضاء، التي رفعت لمجلس الأمة بمناسبة مناقشة لجنة الشؤون التشريعية تعديل مرسوم المحكمة الإدارية، والتي تدعو فيها إلى عدم الموافقة على إخراج المسائل المتعلقة بالجنسية وإقامة وإبعاد غير الكويتيين من أعمال السيادة، "ثم عرفت مذكرة مجلس القضاء أعمال السيادة بأنها كل ما تتخده الحكومة من إجراءات بما لها من سلطة عليا، للمحافظة على سيادة الدولة وكيانها في الداخل والخارج، وما يصدر عنها من أعمال باعتبارها سلطة حكم لا سلطة إدارة...".

كنت تحت تصور أن السلطة القضائية يفترض أن تسعى إلى تحديد تخوم أعمال السيادة، وتقليصها بقدر ما يمكن، باعتبار أن مثل ذلك التحديد يعد كسباً لقضية حقوق الإنسان، فعبر توازن السلطات وبقدر ما تحد سلطة من سلطة أخرى في السلطات الثلاث تتقدم الشعوب في مضمار الحريات والديمقراطية، وتتباعد عن دكتاتورية واستبداد السلطة التنفيذية الواحدة وابتلاعها للسلطتين الثانية والثالثة، أي التشريعية والقضائية، كان هذا كلام لهوبس ومونتيسكو، قبل ما يقارب من ثلاثمئة عام، ومازال بعيداً عن أنوفنا العربية.

تعريف أعمال السيادة، كما ورد في مذكرة مجلس القضاء، ندركه منذ كنا طلبة في كلية الحقوق قبل أربعين عاماً، لا جديد فيه، لكن هذا المفهوم لأعمال السيادة يتغير ويتبدل مع تطور الزمن، ليس طبعاً في دول مستنقعات الركود السياسي مثل الكويت وبقية طقم الأسنان العربي، وإنما في دول يتفاعل فيها الفقه القانوني مع التغيرات السياسية والاجتماعية في الدولة،

وليس لنظرية أعمال السيادة اليوم تلك "القداسة" التي كنا نسبغها عليها، ونظرة سريعة لأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أو المحكمة الأميركية العليا، وكيف قصرت وحددت مفاهيم السيادة والمصلحة العامة بما لا ينتقص من كرامة ولا حريات الأفراد، وليس هذا مكان مناقشة مفهوم نظرية أعمال السيادة، وإنما يمكن أن نسأل ما إذا كانت قضية البدون، ومن له حق في كسب الجنسية ومن ليس له مثل هذا الحق، أن تبقى كجرح دام في خاصرة هذا الوطن لو كانت مسألة "الحق" في الجنسية تخضع لرقابة القضاء؟!
أضف تعليقك

تعليقات  0