الثقافة الكويتية والنظرة الاستعلائية


لم أقابل مثقفاً عربياً محترماً ومرموقاً إلا وقال لي إنه تثقف في بداياته من مجلة العربي التي صدرت في الكويت عام 1958 وما زالت، وقد لعب الشاعر الكويتي الكبير أحمد السقاف دوراً محورياً في تأسيسها من خلال تكليفه بالبحث عن رئيس تحرير ثم كُلف بالسفر إلى ألمانيا لشراء مطابع حديثة وتدريب الشباب الكويتي عليها، حيث كان أول رئيس تحرير لها هو أحمد زكي ثم تلاه أحمد بهاء الدين، وكانت الفكرة الأساسية أن تكون مجلة لكل العرب، ولذا ما زالت تباع بثمن بخس مثلها مثل كل المطبوعات التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وقبل كل ذلك عندما أسس المؤرخ الشيخ عبد العزيز الرشيد مجلة الكويت في عام 1928، استقطب كتاباً من جميع أنحاء الدول العربية.

ومن مظاهر العقل العربي المأزوم، هو نظرة بعض المثقفين في البلدان العربية، لبعض الدول الأخرى بتعالٍ وتمييز، وهو ما يعني من ناحية عدم إلمام هذا البعض بواقع جميع الدول العربية، ويعكس تمركزاً حول ذاتها المتضخمة بسبب الأسبقية التاريخية في تكون كياناتها السياسية وامتداداتها الحضارية، ومن ناحية أخرى لديها قصور في الفهم الجدلي لتطور المجتمعات، إذ ينفي البعض وجود أو أهمية للثقافة والمثقفين في دول الخليج والجزيرة، ودليل مقياسها الخاطئ نظرياً أنها تركز على مستويات المعيشة في مجتمعات هذه الدول ومصادر ثروتها الوطنية، فتسميها أحياناً وبشكل استعلائي «دول البترودولار»، بل يستغرب بعض الاستعلائيين من وجود أصوات أدبية مرموقة في الخليج والجزيرة، مستندين في كثير من الأحيان في رؤيتهم على التخلف الاجتماعي الثقافي في دول الخليج والعائد المالي من بيع النفط، وكأنه لا يوجد تخلف اجتماعي ثقافي في بقية الدول العربية، أو لا توجد ثروات نفطية وغاز طبيعي في كثير من الدول العربية الأخرى، هذا عدا عن الثروات الطبيعية الأخرى.

وذُكر في أحد مشاريع أوراق أحد اللقاءات العربية الاقتصادية مصطلح «دول الصحراء»، ويقصد بالطبع دول الخليج والجزيرة العربية وكأن الدول العربية الأخرى ليس فيها صحراء شاسعة، مما يدلل على نظرة غير موضوعية لمفكرينا ومثقفينا العرب، وهي لا تختلف عن النظرة الاستعلائية الغربية والصهيونية للعرب جميعاً أو حتى نظرة النازي هتلر الفاشية والشوفينية للعرب.

وينقل د. خليفة الوقيان في كتابه القيّم «الثقافة في الكويت» عن د. وليم الخازن في كتابه «الشعر والوطنية في لبنان والبلاد العربية» قوله: ... انحصرت زعامة الشعر القومي في شعراء من لبنان وسورية والعراق ومصر، أما سائر الأقطار العربية فكان يخيّم على بعضها تأخر فكري وحضاري بفعل انعزالها وطريقة عيشها البدائي كالجزيرة العربية...»، ويفند د. خليفة هذه المزاعم بالشواهد الملموسة والتواريخ من خلال شعراء كويتيين، كان لهم دور ريادي في بدايات القرن الماضي في التعبير شعراً أو نثراً حول القضايا القومية.

وهذه النظرة العربية العربية الدونية، هي قديمة نسبياً حيث تتعالى بعض العواصم العربية مثل القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق التي تعتبر نفسها مراكز ثقافية على دول عربية أخرى تعتبرها أطرافاً ثقافية، مثل دول الخليج والجزيرة العربية والشمال الأفريقي، وهي نظرة لا تختلف عن نظرة الرأسمالية المعولمة حول المراكز والتخوم أو الأطراف.

والواقع أن كثيراً من الكتابات الأدبية والنتاجات الفنية في دول ما يسمى بالأطراف تفوقت منذ عقد الستينات بل وما قبلها في بعض الدول على نتاجات العواصم التي تسمي نفسها مراكز، في القصة القصيرة والرواية والشعر والمسرح والموسيقى والإصدارات الفكرية، فلا أحد ينكر النهضة الموسيقية والشعرية والمسرحية في الكويت والبحرين بالذات منذ ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، ويعلم الجميع أن الرواية السعودية تقف اليوم في الصف الأول للرواية العربية، وتميّز بعض كتابها مثل عبد الرحمن منيف وعبده خال وغيرهما، وهذا ينطبق على الحركة النقدية والفكرية في الكويت والسعودية والبحرين التي لا تقل أهمية عن الحركة النقدية والفكرية في البلدان العربية الأخرى.

وليد الرجيب

osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0