تعدّدت الممارسات والانحراف البرلماني واحد


على مدى مجالس أمة متعاقبة منذ ما بعد التحرير وحتى اليوم، والممارسة البرلمانية، على الرغم من تعدد أشخاصها وتنوع أشكالها وتلاحق انتخاباتها، فإنها تصب في نهاية المطاف في إشكالية واحدة محددة وهي «انحراف الممارسات البرلمانية»، ومن ثم افتقارها الى الرشد والنضج السياسي المطلوب، فما أحوجنا الى الإدارة الحكومية الرشيدة، والأهم العمل البرلماني الرشيد لأنه بفعاليته يمكن أن تصبح الإدارة الحكومية رشيدة.

وهناك ثلاث ظواهر تلازم العمل البرلماني وتؤدي إلى انحرافه يوما بعد يوم:

1- تتحكم في العمل البرلماني نزعة فردية مفرطة لم يعد معها من حظ لمصلحة جماعية، ولا مصلحة عامة، ويتحمل وزر ذلك معظم من كانوا اعضاء في مجلس الأمة في يوم من الأيام، لأنهم ساهموا في تكريس هذه النزعة الفردية بتشريعات وممارسات قننت فردية العمل، وأصّلت له ودعمته بقوانين انتخاب كرسته وترافقت معها لائحة داخلية أفسدت النظام الديموقراطي بأكمله، وجاء قانون الصوت الواحد ليقضي على كل رجاء بإصلاح البرلمان.

2- أثبتت الممارسة البرلمانية أن أدوات المساءلة السياسية قد تحولت غاية في ذاتها، بعد أن حولها العديد من الأعضاء أداة للتكسب السياسي، أو مدخلا للثراء المالي أو هدفا للانتقام الشخصي، أو وظفها لصراع بعض أفراد الأسرة. وفي جميع الأحوال صارت العضوية كراسي معروضة في مزاد الفساد السياسي، وهو ما انحدر في العمل البرلماني الى أسوأ حالاته. وقد تقاعست مجالس الأمة المتعاقبة عن وضع نظام ضبط السلوك البرلماني ومحاسبة النواب لردع الانحراف الذي تفشى لدى عدد كبير منهم.

3- طفت الى السطح ظاهرة الارتجال التشريعي من زاويتين، أولاهما التدافع لتشريعات هامشية ذات نزعة انتخابية لدغدغة مشاعر الناخبين وتهييج الشارع، على حساب البناء المؤسسي للبلد والتشريعات الإصلاحية، والتي هي معطلة في أدراج المجلس ولجانه سنوات طويلة، وثانيتهما تشريعات رد الفعل التي دأبت المجالس في أواخر أيامها على الارتجال في إصدارها بهدف زيادة أعداد التشريعات في كشوف انجازاتهم التشريعية حتى لو كانت في قيمتها خواء مثل غثاء السيل، مما جعل اغلب التشريعات معوقات أساسية لتنمية البلد، وفقد بسببها العمل التشريعي بوصلته في دهاليز عمل برلماني لا نضج فيه ولا مسؤولية وطنية تستشعر عند ممارسته.

وهكذا هيمنت هذه الظواهر وما يماثلها من الممارسات على نواب مجلس الأمة وأعماله، ما أوجد حالة من السخط العام والإحباط ان يأتي الإصلاح من بيت الأمة الذي يمثلهم. وكلما لاح في الأفق أمل مع كل انتخابات برلمانية جديدة كان الإحباط أشد وقعا وهو ما نلمس انعكاساته في المجلس الحالي. نحن بحاجة الى أن تتوقف الممارسات النيابية الفاسدة ولتنفرج الانحرافات البرلمانية.



أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0