مواهب ضائعة



الخبر الذي قرأته في الصحافة الكويتية عن فوز الطفلة الكويتية لولوة الشملان البالغة من العمر 12 عاماً بجائزة المركز الأول في المهرجان الدولي للموسيقى الكلاسيكية، الذي أقيم أخيراً في مدينة باكو في أذربيجان، وفوجئت بأنها سبق وفازت بمراكز متقدمة بالعزف الموسيقي على البيانو مثل مسابقة «شوبان» الشهيرة، ومسابقات عدة في عدد من دول العالم، هذا الخبر أفرحني وأصابني بحزن في نفس الوقت، إذ أتذكر قبل سنوات كانت هناك مواهب في عزف المقطوعات الكلاسيكية على البيانو، كانوا أطفالاً كويتيين من الصبيان والفتيات الذين لم تتجاوز أعمار بعضهم التسع سنوات، وكنت أتابعهم بشغف لكن كثيرا منهم توقف عن العزف لأسباب مختلفة، بينما تمخض عن الاهتمام بأحدهم خلق موسيقار كويتي هو المبدع سليمان الديكان.

ثم بدأت رحلة البحث عنهم لأعرف ماذا حدث لهم وأين وصلوا في تطورهم الموسيقي، وذهلت من إجابات من استطعت العثور عليهم، فأحدهم قال لي وقد بلغ المرحلة المتوسطة أن زملاءه عيّروه بعزف البيانو على اعتبار أنه للفتيات، وأنه يجب أن يعزف على العود و«المرواس»، والبعض قال ان مدرس التربية الإسلامية نصحه بترك العزف على البيانو والموسيقى بشكل عام، لأن الموسيقى حرام وذكر له العذابات التي تنتظره في جهنم إن استمر بالعزف الموسيقي ولذا توقف عن العزف، وأتذكر إجابة والدة إحدى الطفلات الفذات في العزف على البيانو، عندما قالت لي بأسى ان الدروس الخصوصية تكلّفهم الكثير من راتب الزوج الذي يحصل عليه من وظيفته الحكومية، فأعباء الإيجار وقسط السيارة وغيرها من الأعباء المعيشية جعل الوالدين يتوقفان عن استمرار ابنتهما بتعلّم البيانو من المدرس الأجنبي، وهذه الإجابة أرّقتني وجعلتني أشعر بحزن شديد وأسف لضياع مواهب فذة كان من الممكن أن ترفع رأس بلدها في مجال الموسيقى الكلاسيكية العالمية.

ولم أعرف لمن أوجه اللوم، هل للظروف المعيشية وغلاء الأسعار والإيجارات وجشع التجار، أم للتخلف في مؤسساتنا ومناهجنا التعليمية، أم للدولة التي لم تنتبه لتبني مثل هذه المواهب، خاصة عندما قرأت في ثنايا خبر فوز الطفلة لولوة الشملان أنها تحظى برعاية مركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع، الذي يقوم برعاية صندوق المواهب الكويتية الشابة في «لوياك».

تلك المواهب التي كنت أعرفها قبل أكثر من عشرين عاماً انتهت وتلاشت وضاعت، وخسرت الكويت وثقافتها الموسيقية مشاريع موسيقيين وموسيقيات، رغم أن الحلول ليست صعبة ولا مستعصية، فيستطيع القطاع الخاص أن يلعب دوراً شبيهاً بدور الشركات في الغرب، حيث تتنافس هذه الشركات الغربية على إنشاء صناديق لدعم الثقافة، فهناك صندوق لدعم المسرح التجريبي الشبابي الحديث، وصندوق آخر لبناء صالات عرض للفنون التشكيلية وورش عمل تشكيلية، وصندوق لدعم مؤسسة ترعى المواهب الفنية والثقافية بتنوعها.

بينما قطاعنا الخاص لا يقوم حتى بأبسط واجباته ووظائفه الاجتماعية، المتمثلة في توظيف الشباب والشابات حديثي التخرج ويتركهم لآفة البطالة، وأتذكر أنه كانت ضمن المشروعات التي وضعناها بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، لاحتفالات الدولة الضخمة «الكويت عاصمة للثقافة العربية عام 2001»، كان مشروع إنشاء صندوق لدعم الثقافة تساهم فيه الشركات الكبرى، ولكن للأسف لم تتقدم شركة واحدة للمساهمة في هذا المشروع المهم، الذي كان من الممكن أن يدفع بالثقافة في الكويت إلى آفاق متقدمة ومشرّفة.

وليد الرجيب

osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0