سياسة «الدمبك» في المستشفى الأميري!


من الملامح الرئيسية لأي دولة تاريخ نضالها، لذلك من زار جنوب افريقيا ولم يعرج على سجن روبن (يقع في جزيرة روبن)، فهو لم يطلع على تاريخ هذا البلد كونه تغير وجه تاريخ هذا الشعب من هنا ولأنه سجن نيلسون مانديلا الذي رسم فيه جهاده ضد الاضطهاد والتمييز العنصري وتحرير الانسان الافريقي من عنصرية وظلم الرجل الابيض.

والكثير منا سمع عن الفصل والتمييز العنصري فقط من كتب التاريخ. سمعها من نيلسون، ومن كونتا كنتي ومن مارتن لوثر كينج ومالكوم اكس في اميركا، او حتى غاندي في الهند ضد العنصرية الاستعمارية. فأجيالنا لم يسمعوا بها الا من كتب التاريخ على اعتبار انها انتهت منذ زمن، والناس تعيش اليوم عصر التحرر وضد العبوديات والعنصريات بجميع اشكالها.

اما ان كنتم تريدون ان تعيشوا هذا الواقع لا فقط تقرأون عنه، تعيشون وتتلمسون وتستشعرون الواقع العنصري وتحسون كيف عاش العبيد في جنوب افريقيا قبل عقدين واميركا قبل ثمانية عقود، وكيف عاش اليهود في المانيا النازية، وكيف عاش ويعيش الفلسطينيون في ظل الصهاينة، فعليكم بزيارة مركز صباح الاحمد للقلب في المستشفى الأميري.

قصة المركز كانت بالأمس (الجمعة)، حيث عمي والنسيب وانا ذهبنا جميعا لزيارة احد المرضى في المركز. وعندما وصلنا الخامسة عصراً عند بوابة الدخول، منعنا موظف العلاقات العامة (وافد) من الدخول بحجة وقت الزيارة السادسة عصرا (يمشي الحال في الخامسة والنصف)، وارشدنا لهذه التعليمات «الصارمة» المكتوبة على لوحة بارزة من خلفنا لم نلتفت لها. انتظرنا وامرنا لله وكان في ساحة الاستقبال قبلنا تقريبا اكثر من عشرين شخصا. في هذه الأثناء مرت من امامنا اربع فتيات ويقصدن غرفة المصاعد. وما كان من موظف الاستقبال الذي اجلسنا ونبّهنا لمواعيد الزيارة، أن فتح لهن الباب وادخلهن المصعد بعد الابتسامات والتحيات! (تذكرت ساعتها بواب لجنة التثمين في درب الزلق الملتزم بالدور حينما منع بن عاقول الدخول بقوله «بالدور يا ولدي بالدور»).

قصد عمي الشايب موظف العلاقات واستفسر عن هذا التصرف والتفرقة بين المواطنين، فكان رده ان تعليمات الادارة الزام الجميع بمواعيد الزيارات باستثناء «الشيوخ» (الترجمة من قاموس درب الزلق كلام البواب لبن عاقول «هذا يصير على لجنتك دمبك»)! وبالفعل بعد هذا المنظر بدقائق مرت من امامنا شيخة معروفة وعبرت للمصعد بسلام متزامنا بالوقوف وابتسامة الموظف!

طبعا التعليمات ليست آتية من الشيوخ، بل وبحسب الموظف فهي صادرة عن ادارة العلاقات العامة بالمستشفى. لذا انصح كل من سمع عن التمييز العنصري، ويريد ان يعيش تجربة الاسود الاميركي في عشرينات القرن الماضي الذي يجب ان يجلس في مؤخرة الحافلة والممنوع من دخول بارات نيويورك لأنه كُتب عليها «ممنوع دخول الكلاب والملونين»، وان اردت ان تشعر بإحساس مانديلا في سجنه ضد سياسة الابارتايد، وغاندي في تصوفه ضد الانكليز، والانثى ساعة دفنها في جاهلية قريش، واليهود في النازية، والشعب الفلسطيني ضمن الفكر الصهيوني، فعليك بزيارة مركز صباح الاحمد للقلب في المستشفى الأميري قبل الخامسة والنصف!

hasabba@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0