الإجراءات الدستورية للاستقالات النيابية



عندما يقدم عضو مجلس الأمة استقالته إرادياً، فينبغي أن تكون مكتوبة وليست شفوية، حتى لا يثور شك بشأن تقديمها، أخذاً بالاعتبار أهمية عضوية مجلس الأمة، وتمكين مجلس الأمة من المضي في إجراءات التعامل مع الاستقالة، مما يعني ضرورة كتابتها؛ للاختلاف بينها وبين الاستقالة الحكمية المترتبة على الغياب عن الجلسات.

وقد نصت المادة 17 من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة صراحة على ذلك «مجلس الأمة هو المختص بقبول الاستقالة من عضويته. وتقدم الاستقالة كتابة الى رئيس المجلس ويجب ان تعرض على المجلس في أول جلسة تلي اليوم العاشر من تقديمها، وللعضو ان يعدل عن استقالته قبل صدور قرار المجلس بقبولها».

وعليه، فإن المجلس ليس له أن يتعامل معها إلا بعد مضي عشرة أيام على تقديمها؛ لمنح العضو المستقيل فرصة لمراجعة النفس، خصوصاً أن تأثير الأجواء السياسية وضغوطها لها آثارها على تقديم الاستقالة وقد تزول آثارها خلال تلك الفترة.

إن عرض الاستقالة على مجلس الأمة وجوبياً في أول جلسة تلي اليوم العاشر، وليس لرئيس المجلس سلطة تقديرية في عدم عرضها، إلا إذا أشعره العضو المستقيل بطلبه التريث في عرضها، فيكون للرئيس عدم عرضها، ولديه السند المنع في هذه الحالة. أعتقد أن الاستقالة ينبغي أن تدرج على جدول أعمال المجلس تحت بند مستقل هو «الاستقالات»، ولا يتم إدراجها ببند الرسائل الواردة حتى لا تخضع لقيود هذا البند المحدود بمدته والمتداخل بنقاش ما يرد فيه من رسائل أمام خصوصية وأهمية الاستقالة وآثارها.

للمجلس سلطة كاملة للتعامل مع الاستقالة: إما بقبولها كما هي، وإما بقبولها بمعزل عن أسبابها في حالة عدم اقتناعه بما ورد فيها من أسباب. ولا يعتد بوجود أسباب للاستقالة باعتبارها معلقة في قبولها على ما ورد فيها من أسباب، إذ لا ارتباط بين الأمرين.

وللمجلس أن يرجئ النظر فيها لمبررات يراها، ومن ذلك مثلاً تكليف بعض أعضائه لإقناع العضو المستقيل للعدول عن استقالته. والتأجيل ينبغي تحديد أجله كي لا تطول مدته بما يبعد مظنة تعمد تعطيل ملء مقعد نيابي بانتخابات تكميلية.

وللمجلس أن يرفض قبول الاستقالة إن كانت له مبررات لمثل هذا الرفض، مع مراعاة ان الاستقالة حق، ولا يجبر الشخص على الاستمرار من دون مبرر، وفي جميع الأحوال يجب إخطار العضو بقرار الرفض، وتستمر في هذه الحالة عضوية مقدم الاستقالة، الذي له إعادة تقديمها، فإذا غاب عن 5 جلسات متتالية كان للمجلس أن يعتبره مستقيلاً للغياب من دون عذر وفقاً لإجراءات المادة 25 من اللائحة، ومنها إخطار العضو بعد نشر غيابه بالجريدة الرسمية.

ويكون قبول الاستقالة من عضوية المجلس في الحالتين بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، ثم لا بد من أن يصدر المجلس قراراً آخر بخلو المقعد أو أنه شاغر لتبدأ بعدها إجراءات الانتخابات التكميلية وفقاً لنص المادة 84 من الدستور، أي خلال شهرين من تاريخ إعلان خلو المقعد النيابي.

وأخيراً فإنه لا بد من أن نشير هنا إلى مسألتين: أولاهما، أنه لا يعتبر المجلس قد تعطلت أعماله لتعذر وجود نصاب لمباشرة أي من أعماله إلا إذا استقال من عضوية المجلس 25 عضواً، مما يتعذر معه تحقق النصاب اللازم لسحب الثقة من الوزير أو النصاب اللازم لأغلبية ثلثي المجلس، كما هو الشأن بتجاوز ممارسة حق رد القوانين أو تنقيح الدستور. وثانيهما، أن العدد الذي يتم حساب الأغلبية على أساسه بعد قبول الاستقالة يحسب على أساس العدد المتبقي ما عدا الأغلبيات الموصوفة بالعدد الذي يتكون من المجلس فيتم حسابها على أساس عدد المجلس كاملاً.



أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0