المبحث الخامس من "ملتقى السرد الخليجي الثاني"



الدرمكي: كائن الظل لاسماعيل فهد رواية بين عالمين

العنزي: أدعو الباحثين إلى الابتعاد دوما عن قلة الاحتراز

ضمن فعاليات ملتقى السرد الخليجي، ألقت د. عائشة الدرمكي، من الجامعة العربية المفتوحة بعمان ورقة جسمت على عنوان" الرواية بين عالمين.. (واقع وممكن)"، كمبحث خامس من مباحث الندوة الفكرية الراسية على محور "ملتقى السرد الخليجي الثاني".

وبنت الدرمكي بحثها على قسمين متفاوتين في الحجم والقيمة صدرتهما بمقدمة وقفلتهما بخاتمة، منطلقة من مقدمتها، باستحضار بعض التعريفات الخاصة بالرواية، مبينة أن بحثها مخصص للحديث عن مفهوم الواقع في الرواية، وعلاقته بالمتخيل، عارجة لاحقاً إلى التعريف بتقنية التبئيرFocalisation ، التي تنقل للقارئ الحكاية من بؤرة ما، مشيرة الدرمكي إلى اتكائها على رواية الكائن الظل للكاتب الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل كنموذج تطبيقي، حاولت خلاله المؤلفة مقاربة الواقع بالممكن، عبر مفهوم السرقة واللصوصية بين الماضي والحاضر، الذي زخرت به الرواية.

وانطلقت الدرمكي في بحثها من ملاحظتها أن الرواية شكل من أشكال الحكاية/القصة، وبالتالي فهي إحدى المقومات الأساسية لإدراك الحقيقة، وهي حقل من حقول الحوادث الحسية، ولأنها مرتبطة بالواقع، فإنها تخضع لخصوصيات الزمان والمكان في الواقع Reality.

ثم أعلنت الدرمكي أن العالم الواقعي في رواية الكائن الظل، يعبر عما يدور في ذهن البطل، بوصفه مظهراً من مظاهر الحقيقة، إلا أن الفهم الذي ينشده المتلقي لهذه الحقيقة، يتطلب وعياً سيميائياً يرتبط بالدلالة والمرجعية.

وفي متن البحث، بينت الدرمكي أن الرواية هي العالم، القائم على العلم والواقع وما يترسب عنه في الذاكرة/التاريخ، حيث تتناول رواية الكائن الظل مسائل العرب، التاريخ، الماضي، والحاضر، بوصفها واقعاً لمرجعيات اجتماعية وسياسية معينة، تقوم على العالم القائم على مادة العالم الواقع والعالم المترسب.

ورأت الدرمكي أن الواقع في الكائن الظل يظهر في شكلين، تاريخي (عباسي)، وداخلي (راهن)، معتبرة تبعاً لذلك أن الكائن الظل، لا تعبر عن حقائق تاريخية، أو ترقى إلى التعبير عن الحقيقة، بقدر ما هي محاولة من الروائي، للتعبير عن أفكاره.

واختارت الباحثة في متنها، الوتائر الثلاث التالية (أدلجة الحكاية، تأويل الحكاية، وسرد الحكاية)، كوسائل تبناها إسماعيل فهد، سعياً للوصول إلى العالم الداخلي، ومن ثم ربط التاريخ بالسرقة بالحاضر، مشيرة إلى أن الرواية تعرض برنامجاً أيديولوجيا، تحاول ترسيخه عبر شخصية حمدون بن حمدي القادمة من التاريخ، والجاعلة من كتاب "لزوميات الانضباط من تعاليم عثمان الخياط"، دستوراً لإيديولوجية اجتماعية.

وعرجت إلى تقنية التبئير، موضحة أنها مرتبطة بطريقة العرض التي يستخدمها المبئر لحكي القصة المتخيلة طمعاً في التأثير على المروي له أو على القُراء بشكل عام، أو بعبارة أدق، زاوية الرؤية التي يقدمها لنا المبئر، معتبرة أن الكائن الظل، تقوم على التبئير، ولا يكتفي إسماعيل فهد – بحسبها – بأن يكون التبئير داخلياً فحسب، بل أنه يعمد إلى أن يكون خارجياً عندما نجد أن المبئر لا يظهر بمظهر العارف عن الشخصية، أو بأحاسيسها.

ومضت الدرمكي تكتب أن الذات تتصرف بالرواية بطريقة لا تسمح للمتلقي بمعرفة ما يدور، حيث أن المؤلف لا يخبرنا عما يجول في خاطره أو معرفة مشاعره، أي أنه يعتمد على الوصف الذي يجعل المبئر بمنزلة الشاهد على الحدث لا الفاعل فيه، ولهذا فإنه شاهد خارجي وبرئ.

وقالت إن (أنا) في النص تمثل المبئر الداخلي الذي يؤسس للانسجام الواقعي، الذي يعتمد على (الرؤية، والموضوعية، والسخرية، والدهشة، والجمالية) التي يعبر عنها النص من خلال المبئر؛ ذلك لأن النص لا يخاطب المتلقي (القارئ) بشكل مباشر وإنما يعتمد على المبئر الذي يقود القارئ إلى تأويل دلالاته من خلال الترميز الذي يعتمده، ولذلك فإن التبئير أو وجهة النظر هنا هي حيلة تقنية للوصول إلى أهداف أكثر طموحاً، ولعل النص الذي بين أيدينا يعتمد على تقنية (التبئير) من خلال اعتماده على (الحوارية) التي يبث خلالها (المبئر) المفاهيم التي يريد إسقاطها.

ومن هذا، فقد همت الباحثة باستخلاص نتائج ورقتها في الخاتمة، فرأت أن روايات التشرد والتكوين والروايات التاريخية تتعدى حدود الزمانية الضيقة (التحقيب) والحدود الوطنية أو القومية المتعددة، مبينة أنها تطمح من خلال هذا الطرح إلى إيجاد دراسات ومنهجيات تهدف إلى وصف الإجراءات التي تُمكِّن من قراءة الرواية من منظور منهجي؛ ذلك لأن دراستها تروم مقاربة النص الروائي من نواحٍ موضوعية خاصة بمنظور الواقع في النص، وتحاول دراسة الواقع الممكن أو الواقع السردي في النص الروائي، الذي يكاد يقترب من العالم الواقعي في تصوره وإمكانات تحققه ووجوده، لدرجة أنه يكاد يوهمنا بأنه عالم واقعي بالفعل.

وعقب على بحث الدرمكي استاذ النقد والأدب الكويتي د. علي العنزي، مشيدا بورقة الدرمكي، مؤكداً أن الأديب يشاغب حتى تبقى يوقظ الذاكرة، وهو يعقب على البحث من باب أن العقل المتعلم يتداول الفكرة من دون أن يتعصب لها، مؤكدا أن نقده مثل المطر ينبغي أن يكون يسيراً بما يكفي ليغذي دون أن يدمر الجذور.

ومضى العنزي يقول، أن رغم يحسب للباحثة، أنها تتبعت أفكارها النقدية المرصودة، منطلقة من اعتبار أنه لابدّ للعمل البحثي أن يعالج زاوية معيّنة من بين الإشكاليات الخاصة بالحقل المعرفي المستقصى معناه، وهي خطوة منهجية طيبة، تسمح للباحثة بالتعمّق في القضية المطروحة، عوضاً عن الاستفاضة في الخلط بين القضــايا تحت بند الشمولية التي يصعب معها النجــاة من إشكالية العــمومية القابلة للدحض، إلا أنه وكما يقول نيتشه: فإنه غالبا يعارض الناس رأيا ما، لأن نبرة الصوت التي يقال من خلالها تثير النفور، مبيناً أنه قد يختلف قليلاً مع الدرمكي، على مستوى القنطرة التي وجدتها لتنقل أفكارها، التي كانت دورانية، انتهت بعد شرح واف بخاتمة مقتضبة.

ودعا العنزي الدرمكي إلى أنه من المؤمل لإيفاء الموضوع شيئا من حقه، أن توضح الورقة خلال مقدمتها المقتصدة للغاية، مدى العلمية في التحليل الذي تجريه، وما المنهج الذي تتخذه، متسائلا حول كيفية كتابة بحث كامل من دون أن توضح فيه منهجية البحث، ولا توضع مقدمة عن كاتب الرواية أو فكرة العمل، لاسيما رصد الظواهر من دون تحليل، مشيرا إلى ملاحظتين أخريين تتصلان بمنهج العمل، وهما غلبة "الاستطراد بالعرض" على "الإسهاب بالتحليل"، وعيب الاستطراد أنه يؤدي إلى التسوية بين المهم والأهم من القضايا في اتصالها بالموضوع حتى إن كانت في الأصل على الدرجة نفسها من الأهمية في النطاق العام.

ودعا العنزي الباحثين عموما إلى الابتعاد عن قلة الاحتراز عند اللزوم؛ على غرار "لا شك"، و"بإمكاننا أن نكتشف بسهولة".. إلى آخره من العبارات الخارقة للقيم البحثية السائدة، في حين تقل لدى البعض أحيانا عبارات التخمين والافتراض التشككي من قبيل: لعل، أظن، يبدو، ربما وقد يكون؛ ولما كانت الورقة في مقامات غير مفروغ من قضاياها فإن هذه التعابير التي لا تفيد مبدأ الاحتراز العلمي بقدر ما تسهم في تعزيز الشك واستحواذ الاحتراز النفسي تجاه بعض الآراء والأحكام القطعية المفروضة على القارئ. ومن هنا، فإنه يلاحظ أن هذه العبارات لا تعدو أن تكون علامات على ارتسامات قد تبعث الاطمئنان في نفس صاحبها ولكنها لا تحقق الغرض ذاته بالنسبة للقراء، لا لشيء إلا لأنها قد تكون غير مركزة على موقف علمي ثابت.

وقال العنزي: إن دخول دارس لموضوع أدبي، على هذه الدرجة من العمق، مبحراً في تصانيف مسبقة، كجزء من سياسة التسلط في قراءة الحقيقة، يجيز التحفظ على بعض جوانب الورقة العلمية

خاتماً، بأن بحث الدرمكي يكتنز فوائد جمة على أي حال، ويبقى محتفظاً بقيمة الإضافة إلى قضية "الرواية بين عالمين.. (واقع وممكن)" بصورة تستحق الاهتمام والتسجيل، بصرف النظر عن غموض الرؤية في بعض جوانب التحليل في بعض الأحيان، وكانت الباحثة قد تبوأت مقاما خليجياً أثيراً، كناقدة غيورة، ولوعة بالتأصيل، تميزت في أبحاثها بوضوح العرض وقرب المأخذ، والتوافر على ملاحظات قيمة تدل على ذوق أدبي رفيع وحس نقدي عال، ولها أن تأخذ أو تترك من الملاحظات السالفة البيان ما تشاء.
أضف تعليقك

تعليقات  0