شاع الجدل وتلاشى العمل


منذ ثلاثين عاماً وأحوال الناس في الكويت منقلبة رأسا على عقب، فبعد أن كانت أطباع الناس في أواخر خمسينات وحتى أوائل ثمانينات القرن الماضي العطاء للوطن بلا حدود، ومن دون أطماع أو كشف بمقابل يسدد على حساب البلد، كما ترى فيهم نموذجا لخلية النحل التي تعمل بصمت، من دون بهرجة إعلامية أو تكسب سياسي أو مباهاة بما عملوا أو أنجزوا، ولم يكن لديهم وقت للجدل، لأنهم إما متفرغون لعباداتهم أو منشغلون بأعمالهم أو منهمكون بتواصلهم الاجتماعي، وهو ما جنينا ثماره في بناء الوطن، وشيوع الالتزام بالواجبات وأداء أعمال الوظيفة، ما تعززت معه أخلاقيات الأمانة والقوة والصدق والمصارحة والتآلف، فصار الحاكم، قبل المواطن، يلتمس أن الناس عون له، ومجالسهم لا تعرف المجاملة بل النصيحة الصادقة، ولا جدل بينهم لا طائل من ورائه.

ومنذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم انتشرت حالات واسعة من ادعاء العلم والمعرفة، فوجد الجدل طريقه إلى حياة أهل الكويت، وقد زادها سوءا وأظهرها علنا معظم أعضاء مجالس الأمة المتعاقبين منذ ذلك الوقت، فقد صار ديدنهم إثارة الموضوع تلو الاخر لإشغال الناس بالجدل المستمر، وواكبتهم حكومات بلا مؤهلات، فلا هي قادرة على مواجهة الجدل وحسمه ووقفه، ولا هي متمكنة من تجاوزه بعمل يجعل منه سرابا لا أثر له.

وقد توارث السياسيون تلك الحالة البائسة من الجدل العقيم، والبطولات الوهمية، والمعارك الكلامية، وظهرت لدينا التشريعات الارتجالية التي لا تبني مؤسسات ولا تطور ركائز الدولة، وإنما تدغدغ مشاعر الناخبين للمزيد من الإلهاء الجدلي، وسوء استخدام أدوات الرقابة البرلمانية بتهديدات خاوية حينا أو ابتزازات ملهية أحيانا أخرى، فضاع العمل والإنجاز، وحكومات تثير جدلا أوسع بانعدام رؤيتها وتوزير بعض العاجزين الذين ما ان يتركوا مناصبهم حتى يتحفونا بتنظيرهم ونقدهم الجدلي، ونسوا أنهم كانوا في مطبخ صناعة القرار ولم يقدموا غير المزيد من الجدل.

ولذا، فإن السؤال المشروع لماذا لم تتعدل أحوال المجتمع ويتطور لو كانت مجالس الأمة منذ 1985 وحتى اليوم تقوم بإنجازات حقيقية، ولماذا تفاقمت مشكلات الوطن، ولماذا نرى كل تلك الجعجعة ولا نرى طحينا، إلا لأن العمل البرلماني والحكومي كان موطنا للجدل العقيم، وصار هذا النموذج هو المشهد المتكرر في مجريات الحياة العامة، فظهرت حالة الجدل بين السياسيين أنفسهم، ومع ناخبيهم، وفي مواقع الوظيفة، وفي مؤسسات التعليم، وبين النخب، وفي وسط التيارات السياسية، فصارت ثقافة مستشرية في المجتمع فطغت على المنتديات الثقافية وتسللت للقاءات النسوية، وقد صدق فينا القول المأثور «إذا أراد الله بقوم سوءا، منحهم الجدل ومنعهم العمل».

فقد توارى لدينا العمل تماما، كما غاب الحوار الهادف المبني على احترام الرأي الآخر، وضاع التواصل بيننا لأننا لا نتحاور وإنما نتجادل، وشتان بين الاثنين، فالأول غايته الالتقاء على فضيلة الأصلح للمجتمع، بينما الآخر، يبدو هدفه تحقيق انتصار لنفس مريضة بهدم كل ما يحقق مصلحة المجموع. وها نحن نحصد وطنا متراجعا وغيرنا يتطور، فالبلد لا تسعفه إلا قرارات حاسمة وفزعة من أبنائه الجادين، فهل نرى العمل يقضي على الجدل؟.

* * *

قلت في مقالي الأخير ان أغلبية الأعضاء الذين يتكون منهم المجلس مطلوبة في حالتي الاستقالة الإرادية والحكمية بسبب الغياب، والأدق أنها مطلوبة في الحالة الثانية كونها ضمانة لازمة، أما الإرادية فان قبولها يكون بأغلبية الحاضرين من الأعضاء.

أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0