مسلسل مكسيكي


اتخذت قراراً قبل فترة طويلة بألا أشغل وقتي وطاقتي الذهنية في أمور ليست ذات جدوى، فصرت أنتقي ما أقرأ بعناية، وكذلك ما أشاهد من أفلام أو مسلسلات، فأتجنب الهابط منها، لأن الانغماس فيما هو دون المستوى له أثر سلبي على انحدار الذوق العام وإضاعة الوقت فيما لا فائدة منه.

ومن هذا المنطلق، لم أتفاعل مع الكثير من الأحداث السياسية مؤخراً، لأن هذه الأحداث (المفتعلة في أغلب الأحيان) أصبحت كالمسلسلات المكسيكية المملة لمخرج غير محترف، حيث يقدم نموذجاً للبطل ضابط المباحث الذي يطارد اللصوص طوال حلقات المسلسل، وفي كل حلقة يطرح فضيحة معينة، ويفتح ملفاً جديداً دون النجاح في القبض على أيٍّ من اللصوص أو إنجاز ملف واحد، وفي آخر حلقة تكتشف أن البطل صديقٌ للص.

لكن ما يثير استغرابي هو وجود جمهور لا بأس به يتفاعل مع أحداث المسلسل المكسيكي ويتعامل معه، كأنه واقع حقيقي، بل ويستعد لخوض المعارك دفاعاً عن المخرج أو أحد أبطال المسلسل ضد اللصوص. هؤلاء لا يهتمون بالنص المطروح أو مدى إجادة الممثلين لأدوارهم، فولاؤهم المطلق للمخرج ولكل ما ينتجه من أفلام ولكل مَن يختارهم من ممثلين، وتتجلى المشكلة عندما يتحول أبطال المسلسل إلى أبطال حقيقيين، ولصوص المسلسل إلى أعداء حقيقيين بما يثيره كل ذلك من مشاعر حقيقية، فيخوض البعض معارك على أرض الواقع انتصاراً لأبطال المسلسل ضد أشراره.

وما يثير استغرابي بشكل أكبر هو وجود فئة لا بأس بها من الجمهور المتفرج الذي يتفاعل مع تكرار المشاهد، كأنه يراها أول مرة. هذا الجمهور الذي ينفعل في كل مرة يعلن البطل استعداده للتصدي للصوص، وبعدها يُصدَم عندما يكتشف أن البطل وأحد اللصوص صديقان في الباطن، ثم ينتابه الشعور بالقهر، لأنه أضاع وقته في مشاهدة فيلم مكرر اعتقد وهلة أنه واقعي، وبعدها بأيام يرجع إلى مشاهدة فيلم آخر لنفس المخرج ولذات الأبطال مع تغيير طفيف في تشكيلة الممثلين وتبادل أدوارهم، وتتكرر المسلسلات لنفس المخرج وتتكرر معها حالة التفاعل ثم الترقب ثم الإحباط.

إن وجود هذا النوع من الجمهور الذي يتجاوب مع المسلسلات المكررة دون المستوى يمثل دافعاً أساسياً للمخرج للاستمرار في إنتاج الأفلام المملة، ودافعاً أيضاً للممثلين المخضرمين لقبول أدوار دون مستواهم الفني، نظراً للإقبال الشديد عليها ولحاجتهم للبقاء تحت الأضواء، كما يمثل مثل هذا الجمهور دافعاً للممثلين المبتدئين لقبول أدوار ثانوية عسى أن تصعد بهم نحو النجومية.

وبهذه المناسبة، أنصح المخرج الطموح وممثليه وجمهورهم بمشاهدة المسلسل الأميركي هاوس أوف كاردز لاستقاء بعض التكتيكات الذكية للوصول إلى الحكم بدلاً من تكرار الأساليب القديمة والمكشوفة.

إن انتشار الفساد في كل أركان الدولة هو حدث حقيقي، إلا أن التصدي له ومحاربته هو الفيلم.
أضف تعليقك

تعليقات  1


maha
الشكله الاكبر مو بالمخرج ولا الممثلين .اللي عافس الدنيا النقاد اللي كل يوم يغيرون الموجه علي المصلحه