أسفي عليك يا وطني


لقد عانى اخوتنا من الكويتيين البدون الأمرّين جراء التمييز العنصري ومماطلة الحكومة في حل قضيتهم حلاً إنسانياً عادلاً وجذرياً، رغم مشاركة أفراد هذه الفئة في الحروب العربية عام 1967 وعام 1973 في الأراضي المصرية والسورية ضد العدو الصهيوني، واستشهاد العديد من الجنود البدون، ورغم صمود كثير منهم واستشهاد بعضهم إبّان الاحتلال الغاشم ومقاومة جنود الاحتلال، ورغم ارتباطهم بهذه الأرض وهذا الوطن أباً عن جد وحتى الجيل الرابع.

ويبدو أن تأسيس «الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية» بقيادة أخي الفاضل صالح الفضالة لم يكن إلا ذر الرماد في العيون، ولهدر المال العام دون حلول واقعية وإنسانية لأوضاع هذه الفئة من الكويتيين.

وقد تابعنا أخيراً لقاء تلفزيونياً في برنامج تو الليل بقناة الوطن مع السيد مازن الجراح الصباح وكيل وزارة الداخلية المساعد لشؤون الجوازات والجنسية، وهو يدلي بأخطر معلومة مرت عليّ حول أوضاع الكويتيين البدون ودون مواربة، وهي نيّة الحكومة لتهجير عشرات الآلاف منهم إلى بلد عربي بعيد مقابل مبالغ طائلة تدفع لرئيس الدولة ولإعطائهم جنسية وجواز هذه الدولة التي لا ينتمون إليها ولا يعرفون وطناً لهم سوى الكويت، وهي عملية بربرية غير إنسانية تشبه عمليات التهجير أو «الترانسفير» القسري لأهلنا في فلسطين وللشعب الأرمني والفلاشا وغيرهم من الأقليات، وهو إجراء ضد حقوق الإنسان وضد الإنسانية، بل هي عملية بيع للبشر.

والمصيبة الكبرى أن الناس بدأت بتداول أسم دولة عربية هي السودان، ذات الحكم الإسلامي الفاسد الذي يرأسه عمر البشير حيث يتعرض شعبه الشقيق إلى عمليات قتل واعتقال وتعذيب جماعي، وحيث المواطن فيه يعيش في ظروف سيئة، نتج عنها انتفاضات شعبية منذ أكثر من سنة، كما أن البشير ينفذ أجندة أميركية في تفتيت شعبه ويقيم علاقات مع العدو الصهيوني، وهو مطلوب للعدالة في محكمة العدل الدولية بتهمة جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، حتى أصبح ينطبق على هذه الفئة المظلومة والمقهورة «كالمستجير من الرمضاء بالنار».

ويبدو أن قرار التهجير أو الترحيل الجماعي قد اتخذ كما ذكر الشيخ مازن الصباح، وينتظرون فقط توقيع الرئيس البشير والحكومة السودانية والبرلمان، في هذا البلد الذي يعاني من البطالة والمجاعة وسوء الأحوال المعيشية والحكم المستبد.

بل زاد وكيل الداخلية المساعد، بأن إحدى الدول الخليجية سبق وأن باعت «هجّرت» أكثر من تسعين ألفاً من المواطنين البدون لقاء مبلغ ضخم، وأن هناك دولة ثالثة ستتبع هذه الخطى، وهي إجراءات مخزية لا تمت للإنسانية والعدالة بشيء، وإن كانت بعض دول الخليج بلا دستور أو برلمان، فيفترض أن الكويت دولة ديموقراطية ذات دستور وبرلمان يمثل الشعب، لكن من قال ان هذا المجلس «مجلس الصوت الواحد» سيدافع عن حقوق فئة الكويتيين البدون، بل سيلاقي هذا الإجراء المشين هوى عند فئة عنصرية متعالية على مكونات المجتمع الأخرى.

ولا يمكن حل مثل هذه المشكلة بالتهجير الجماعي، بل باتخاذ إجراءات وتبني سياسة جادة من دون تأخير لمعالجة القضية وفق قواعد واضحة انطلاقاً من اعتبارات إنسانية واجتماعية وتنموية، بعيداً عن المعايير العنصرية، وذلك بمنح الجنسية الكويتية لحملة إحصاء 1965 والذين ولدوا في الكويت وتلقوا تعليمهم واستقروا فيها وليس هناك موطن آخر يمكنهم الانتقال إليه، مع ضرورة إقرار الحقّ الدستوري في الجنسية لأبناء الكويتيات المتزوجات من غير الكويتيين.

أسفي عليك يا وطني وأنت تتحول إلى مقبرة للإنسانية، أسفي عليك من دولة تُعرف بالخير والعدل والحق إلى دولة تتخذ إجراءات عنصرية، ونهجا بعيدا عن نهج الدول المتحضرة التي تحترم جميع مواطنيها، من دولة قانون ومؤسسات مجتمع مدني، إلى دولة لا أمان للمواطن فيها ولا عدالة اجتماعية ولا حريات شخصية أو عامة.

وليد الرجيب

osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0