مشروع إعلان الحداد


على استقلالية هيئة أسواق المال في أروقة البرلمان!!!

تقدم مجموعة من النواب في مجلس الامة منذ فترة قصيرةبطلب اجراء مجموعة من التعديلات على قانون هيئة أسواق المال رقم 7 لسنة 2010 , وتهدف التعديلات وفق وجهة نظر مقترحيها الى تطوير هيئة أسواق المال وتغعيل دورها في اسواق المال على النحو الذي يخدم مصلحة البلاد واقتصاده .

وبإلقاء نظرة على التعديلات المقترحة أقل ما يمكن وصفها بانها تفرغ قانون هيئة أسواق المال من مضمونه كلياً , فمن المعلوم ان هيئة أسواق المال وعلى اعتبارها جهة رقابية على سوق المال لن تقوم بمهمتها على الوجه الاكمل ما لم تكن تتمتع بالقدر العالي من الاستقلالية في عملها .

يرتكز قانون هيئة أسواق المال على ركيزة اساسية تمثل حجر الاساس لعمل الهيئة الرقابي وهي استقلالية الهيئة في عملها , ويعود ذلك الى خصوصية عمل الهيئة الفني البحت .

و ليس قانون هيئة أسواق المال وحده الذي انفرد بفكرة الاستقلالية التي أرادها المشرع الكويتي، بل ان القانون كرر ذات التوجه في قانون إنشاء هيئة مكافحة الفساد رقم 24 لسنة 2012، وهي تمارس أيضا دوراً رقابياً، فمنح لوزير العدل فقط حق الإشراف بحسب المادة 3 من القانون حفاظاً على فكرة الاستقلالية التي يجب أن تتمتع بها الهيئة، ومن دون تلك الاستقلالية لا يمكن أن تتمتع بنظر المتعاملين معها بالمصداقية والشفافية اللازمتين لإنجاح فكرة الرقابة،

وللوقوف على حقيقة التعديلات المقترحة لا بد لنا من ان نبين اخطر تلك التعديلات على استقلالية هيئة أسواق المال وهو التعديل الخاص بصلاحيات الوزير وفكرة اللجنة المستقلة المبتدعة حديثاً .

أما عن صلاحيات وزير التجارة والصناعة , فقد اهتم قانون هيئة اسواق المال بتبيان دور وزير التجارة والصناعة في ظله وركز على ان دوره لا يتعدى ان يكون حدود الاشراف الاداري على هيئة أسواق المال وهذا ما اكدته المادة الثانية من القانون ويهدف هذا التحديد الى المحافظة على جوهر قانون هيئة اسواق المال ودورها في الرقابة والمتمثل في استقلالية الهيئة في عملها الرقابي على الشركات الخاضعة لرقابتها . أما وان تأتي تلك المقترحات وتتجاهل هذا الجوهر او تلك الغاية من القانون وتضرب بها عرض الحائط وتعلن وبالصوت العالي اعدام العمود الفقري لعمل هيئة اسواق المال ألا وهو استقلالية الهيئة , فهذا امر خطير جدا بحاجة الحذر والتأني بفهم أبعاده .

يزعم مقترحي التعديلات على انهم لا يريدون سوى تطوير عمل الهيئة ويؤكدون اكثر من مرة في وسائل الاعلام على انهم لا يبغون سوى تطوير الهيئة مع حرضهم الشديد على استقلالية الهيئة لم ولن تمس !!

ونعرض لكم فيما يلي ما اذا كانت فعلاً استقلالية الهيئة لم ولن تمس كما يزعمون ام لا وذلك على النحو التالي :

أولاً : من حيث انهاء عضوية مفوضي الهيئة :

بموجب احد المقترحات تم استحداث المادة 10 مكرر بالقانون والتي تمنح وزير التجارة والصناعة صلاحية طلب إنهاء عضوية أي مفوض وحتى ولو لم تنقضي مدته وذلك اذا تبين للوزير ان المفوض المذكور قد تعمد مخالفة القوانين أو اللوائح أو تبين عدم تحقيق الأهداف المنصوص عليها في هذا القانون، أو ارتكب ممارسات ضارة بالاقتصاد .

وأول ما يقال عن هذا النص انه يعدم استقلالية عمل المفوضين ويجعلهم في حالة خوف وترقب وخنوع للوزير الذي يستطيع بحركة بسيطة منه ان ينهي عضويته , كيف لا والعبارات المذكورة يمكن نعتها بالفضفاضة والواسعة , فبالله عليكم ما معنى مخالفة القانون واللوائح ؟ وما حدودها ؟ ,ويا تُرى هل مخالفة جميع نصوص القوانين واللوائح تستوجب تلك العقوبة القاسية وهي الفصل !! أين هو مبدأ تدرج العقوبات الإدارية ؟ وما محله من الاعراب هنا ؟ وما معنى عدم تحقيق المفوض للأهداف المنصوص عليها في القانون ؟! وهل يحاسب المفوض على أهداف القانون رغم أن تحقيقها من الوظائف المرتبطة بعمل هيئة أسواق المال وليس لها علاقة بعمل المفوض ذاته؟ فالمفوض يسأل عن عمله وأدائه لا عن أهداف الهيئة التي أوردها القانون في مواده , والرصاصة الاخيرة التي من السهل جدا ان تطلق في صدر المفوض وهي ارتكابه ممارسات ضارة بالاقتصاد !! فعلى سبيل المثال لو ان مجلس المفوضين ارتأى اصدار قرار وقف التداول في البورصة – وهي سلطة قانونية منحها اياه قانون رقم 7 لسنة 2010 – فهل يعني ذلك ان المجلس قد ارتكب ممارسة ضارة بالاقتصاد !! ومن يقدر ذلك وهو قرار فني بحت واختصاص الهيئة فني بحت !! وما هي الضوابط التي يتعين على الوزير التقيد بها في معرض تبيانه توافر احدى تلك الحالات !! وما هو دور القضاء في هذا الخصوص !!

كما ان الاقتراح المذكور مشوب بعيب عدم الدستورية حيث أن المفوضين يتم تعيينهم بمرسوم أميري فكيف يتم انهاء أعمالهم بقرار وزاري، أضف الى ذلك أن قرار الفصل يخالف مبدأ الأصل في الإنسان البراءة، وأن الاقتراح ينطوي على تمكين الوزير من فصل الرئيس أو نائبه أو ربما كل المفوضين لمجرد مخالفة أوامره تحت مصطلحات عامة هي كمخالفته للقانون، ومن دون التحقيق معه، وهو ما يخالف مبدأ الأصل في الإنسان البراءة الذي كفله الدستور، فكيف يسمح للوزير بفصل المفوض إذا رفض أوامره أو رغباته، في حين أن العقوبات الإدارية، وإن صحت تبعية الوزير، يجب أن تكون على مخالفات واضحة وصريحة، وبعد تحقيق يتم إجراؤه من العضو المخالف، بل ان تلك العقوبات يجب أن تسير وفق قواعد تدرج العقوبات الإدارية، في حين أن الاقتراح يعطي الوزير حق الطلب من مجلس الوزراء إنهاء أعمال المفوض، أي فصله، ولو لم يكمل مدته لمجرد أن العضو،

كما أن الاقتراح المعروض يتضمن أيضاً تخفيض مدة المفوضين من خمس سنوات إلى ثلاث، وألا يتم التجديد إلا لمدة واحدة وهو قيد يتوجب على المشرع التحوط منه، لأن فكرة الاستقرار والانسجام في المجالس الرقابية هي من أهم العوامل التي تنجحها، وبالتالي فإن تخفيضها أمر غير مبرر، علاوة على أن النص الحالي يسمح بعدم التجديد من قبل مجلس الوزراء، وبالتالي فالاقتراح المعروض بتخفيض الفترة لا يبرره، خصوصاً أن فترة الثلاث سنوات قصيرة جداً في ظل التكلفة التي يبذلها المفوض في سبيل الانضمام إلى مجلس المفوضين، إذ إن القانون يتطلب عليه التجرد من العمل التجاري بشكل تام، علاوة على قيود السرية وإبراء الذمة وغيرهما من الالتزامات التي تفرضها طبيعة العمل.

كل هذه العوامل من شانها ان تجعل رقاب مفوضي الهيئة تحت مقصلة الوزير , فأي تصرف يصدر منهم لا يلبي رغبات او لا يتوافق مع اهواء الوزير السياسية والمصلحية والشخصية من شانه ان يكون مدعاة لفصلهم من الهيئة . فبأي استقلالية وبأي اصلاحات بعد هذا يؤمنون !

ثانياً : اللجنة المستقلة " التابعة "

تنص المادة (15) المقترحة بعد إلغاء الحالية على ما يلي:(( تنظم في الهيئة لجنة مستقلة يعين الوزير أعضاءها المختصين في المجالات القانونية والمالية، وتقوم اللجنة بتلقي الشكاوى والتظلمات، ويجوز لكل ذي مصلحة أن يتقدم بالشكوى إليها من أي أخطاء يقوم به أحد الأشخاص المرخص لهم، كما تتلقى التظلمات من القرارات التي تصدرها الهيئة وتكون قراراتها ملزمة لها )) .

ووفقاً لهذا النص , ينفرد وزير التجارة والصناعة بتشكيل لجنة التظلمات والشكاوى من اخطاء الشركات المرخص لها ومن قرارات الصادرة من هيئة أسواق المال . على ان يكون تشكيلها من خبراء ماليين وقانونيين .

واول ما يؤخذ على هذا النص من عيب , ان الوزير ينفرد ويحتكر سلطة تعيين اعضاءها دون وجود ضوابط – سوى ما قررته من ضرورة ان يكونوا الاعضاء من الخبراء القانونيين والماليين .

وبناء على ذلك اذا كانت تلك اللجنة المزعومة والمقترح تسميتها باللجنة المستقلة هي فعلاً مستقلة عن هيئة أسواق المال إلا انها ليست كذلك بالنسبة للوزير وبالتالي يمكن نعتها باللجنة المستقلة التابعة !! ولا يخفى على احد منا مدى الدور الذي تلعبه الاهواء السياسية والشخصية في تشكيلها وفي عملها . فعلى سبيل المثال لو أن شركة مرخص لها ارتكبت مخالفات جسيمة في السوق وأصدرت الهيئة قراراً بمعاقبتها , فما على الشركة المخالفة اذا كانت متفقة الأهواء السياسية والقبلية والمصلحية مع أي من النافذين في الوزارة المعنية سوى ان تتظلم من قرار الهيئة امام اللجنة المستقلة التابعة والتي تملك سلطة الغاء قرار الهيئة الفني بموجب التعديل المقترح , وبذلك تغلب الاهواء السياسية على الاعتبارات الفنية وهذا يشكل خطراً حقيقياً على اقتصاد الدولة والسوق المالي , فبأي استقلالية وبأي اصلاحات بعد هذا يؤمنون !

اما عن الطامة الكبرى , فتتمثل في الزامية قراراتها لهيئة أسواق المال . فهل من المعقول ان تكون قراراتها ملزمة لهيئة أسواق المال ! , ما هو مبرر هذه السلطة الخطيرة !! لا يوجد مبرر سوى ان المقترحات تريد انشاء مجلس وصاية على قرارات الهيئة حتى يمكن القول بان سيف تلك اللجنة المستقلة التابعة سيبقى مسلطاً على رقاب مفوضي هيئة أسواق المال , مما يعدم في النهاية استقلالية عمل الهيئة والمفوضين ويصبح مجرد الحديث عن بقايا الاستقلالية ليس الا هذواً لا قيمة له , فبأي استقلالية وبأي اصلاحات بعد هذا يؤمنون !

وفي النهاية نختم مقالنا في ان الحق يعلو ولا يُعلى عليه ,فنصوص قانون هيئة أسواق المال بحاجة الى تعديل وتطوير وهذا امر طبيعي لأنه من سمات القانون مجاراته للتطورات الحاصلة في المجتمع الا ان ذلك يفترض ان يكون ذلك وسيلة نحو المضي قدماً نحو الامام وليس الرجوع الى الخلف , دعونا نتخيل فقط مجرد تخيل ماذا سيحدث لو اصبحت هيئة أسواق المال ادارة تابعة لوزير التجارة والصناعة , الجواب البديهي هو ان اقتصاد الدولة سيكون مجالاً واسعاً للأهواء السياسية للوزراء المتعاقبين , بحيث يمكن القول بان اقتصاد الدولة اصبح مرهوناً بالأشخاص الذين يتربعون على مقعد وزارة التجارة والصناعة في دولة الكويت , وهذا يعد مدعاة الى دق ناقوس الخطر ايعازا ً لظهور ازمة مالية واقتصادية حقيقية في الدولة .

نعم , يجب تعديل قانون هيئة أسواق المال , ولكن ! يتعين ان يكون ذلك نحو المزيد من الاستقلالية على الشكل الذي يدعم القرار الفني المستقل عن الاهواء السياسية وليس العكس .

خلاصة القول : تعديلات قانون هيئة أسواق المال المقترحة تعد بمثابة مشروع اعلان الحداد على استقلالية هيئة أسواق المال وفي الوقت نفسة تعد بمثابة مشروع صك ولادة للإدارة جديدة تابعة لوزير التجارة والصناعة تبعية عمياء مقترنة بالأهواء السياسية التي تترافق وتتجدد مع تجدد وتغير الوزراء المتعاقبين بحيث يمكن القول بان اقتصاد الدولة اصبح مرهوناً بالأشخاص الذين يتربعون على مقعد وزارة التجارة والصناعة في دولة الكويت .


دكتور احمد رشيد المطيري

استاذ قانون الشركات

كلية الدراسات التجارية

ahmedalm@
أضف تعليقك

تعليقات  0