المصالحة الحقيقية


هناك تسريب واضح ومتعمد لشيء ما، قد يكون دعوة للمصالحة، وقد يكون محاولة لنزع فتيل الأزمة السياسية العميقة التي تمر بها البلاد على طريقة عفا الله عما سلف، وقد تهدف إلى تدجين المعارضة والقوى السياسية، وتطبيع علاقاتها مع السلطة وإجهاض أي حراك شعبي محتمل بسبب تفاقم الأزمات وانسداد أفق تغيير النهج الانفرادي بالسلطة والقرار.

ونرى أن مثل هذه المحاولات باءت بالفشل تاريخياً في المجتمعات المختلفة، لأن معناها ومضمونها هو ثني الشعوب وقواها الحية عن المطالبة بحقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا عن طريق تصحيح هذا النهج المنفرد، ولكن على طريقة حل الخلافات بالوسائل البدائية للعشائر والقبائل القديمة.

المصالحة تعني الموافقة على التخلي عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الأزمات المتكررة، والاعتراف بخطأ السياسات التي اُنتهجت، والاستماع إلى رأي الشعوب وإرادتها في التغيير والتطور، وإعادة حقها المسلوب بصفتها مصدر السلطات جميعاً، بالقضاء على التخبط في الإدارة والقرارات والعشوائية والتناقض بين شكل الدولة ومضمونها.

فهل تعني المصالحة العفو عن الفاسدين والمتنفذين والسارقين الذين وضعوا البلاد على حافة الإفلاس بعد سنتين كما تقول المصادر الرسمية والمتخصصة؟ هل تعني رضا الشعوب بالقدر المحتوم والقبول بالواقع كما هو، واعتبار أن سنة الحياة هي المحافظة وعدم التغيير والتقدم؟ وإن سعادة الشعوب ورخاءها وحياتها الكريمة هي غاية لا تدرك؟

نحن شعب يفترض أن لدينا نظاما ديموقراطيا وقانونا أساسيا يسمى دستورا، نحتكم إليه ككل الشعوب المتحضرة والهادفة إلى الترقي والتقدم، هذا القانون الأساسي رغم تخلفه ومطالبة القوى السياسية بتطويره مواكبةً للعصر هو المسطرة التي نرجع إليه، والتي تكفل لنا بعضا من حقوقنا وجزءا من الكرامة المفقودة، كشعب كان يفاخر بوطنه بين الشعوب.

هذه التسريبات من قبل بعض القوى السياسية وبعض الاتجاهات الثقافية، تطالبنا بالتخلي عن حقوقنا كمجتمع وشعب ومواطنين، وأن نغض البصر عن كل الجرائم التي ترتكب بحق وطننا، وهي دعوات غامضة الهدف والمنفعة من هكذا مصالحة كيفما كانت، هي تطالب بالهدوء والهدنة غير العادلة وغير المتكافئة.

فمن مشروع لقوى سياسية يناشد السلطة وكأنها سترضخ للمطالبات والإملاءات، إلى دعوات لا تضع مصلحة الوطن والشعب أولاً، مع أن المفترض ألا تقع أي قوى سياسية في مستنقع الانتهازية والبرغماتية، وإلا فما فائدة كونها قوى سياسية تمثل الشعب أو قطاعا منه؟

كيف تتم مصالحة بين من يمسك بالهراوة وإنسان أعزل؟ كيف تتم هذه المصالحة وللتو خرج علينا مشروع قانون قمة في القمعية هو قانون هيئة الاتصالات غير الدستوري، حيث تقوم الأجهزة الأمنية بمداهمة المنازل وقطع الاتصالات دون إذن من النيابة؟ كيف وأيدينا وحرياتنا الشخصية والعامة مغلولة بقيود لا تمت لحقوق الإنسان بصلة؟

الشعب الكويتي جبل على التسامح والسلام والعفو والأخلاق الكريمة، لكن ليس بأي ثمن ولا نظن أن تجربة الغزو والاحتلال الغاشم والوحشي قد تم نسيانها، الشعب الكويتي كريم بطبعه وولائه لشرعيته لا يحتاج إلى إثباتات وبراهين، لكنه شعب أبي غير مغفل أو ساذج، يريد أن يرى على أرض الواقع تغييرا ملموسا وشيئاً مقنعا يضمن له أمنه وأمانه ومستقبل أجياله القادمة.

وليد الرجيب

osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0