دور الغرب في فشل أو إفشال ديموقراطية عالمنا


المراقب للأوضاع العامة التي يعيشها العالم العربي يدرك ــ تماماً ــ أن معظم أنظمة الحكم لدينا تدور في فلك الغرب، ارتباطاً أو اتباعاً أو مصلحةً أو تسليحاً أو معوناتٍ، ولا بأس أن توجد مثل تلك الاعتبارات في علاقتنا مع الغرب، طالما أن ذلك لم ينَل من القرار الوطني والعلاقة بيننا كأشقاء عرب.

بيد أن الغرب والأميركان تحديدا يفضلون أن يكون لهم دور أعظم، وهو أن تكون أنظمة الحكم لدينا من صنعهم أو يتحكمون فيها عن بُعد، وهذا هو السائد لدينا بكل أسف! إذ استخدم الغرب معنا «جزرة» المساعدات المالية أو التسليح و«عصا» الديموقراطية، وقد نجحت في معظم الأحوال في مرادها بتسيير بعض أنظمتنا العربية في فلكها. وها هي إيران تسير نحو حلم الدولة الفارسية باستخدام الغرب لها لنلجأ إليه، طلباً لجزرة التسليح.

ولا بد أن نتفحص كيف صارت الديموقراطية «العصا» التي يردع بها الغرب بعض أنظمتنا أيضا، فالغرب أدرك أننا شعوب تسود بيننا ثقافة السيطرة والتحكم والغلبة والتفرّد، تماماً كما أدرك ارتعابنا من فكرة تداول السلطة، لأن أثرة التفرّد من قبل بعض من هم في السلطة واستحواذهم على ثروات الشعوب تعني ملاحقتهم لجرائم عبر أجيال بمجرد تركهم للسلطة، كما هي الحال اليوم مع حسني مبارك، فاستخدم الديموقراطية «عصا» مصلتة علينا في الحالين، ولذا فهو لاعب رئيسي في فشل أو إفشال الديموقراطية لدينا، فهو يخوف بعض حكام المنطقة بتلويحه بالديموقراطية بديلا عن أنظمتهم، فإن ردعهم ذلك دعم هذه الأنظمة غير الديموقراطية، مبررا ممارساتهم الإجرامية والمزورة لإرادة الشعوب. وما أسهل المبررات لدى للغرب، وبأفضل الدراسات والآراء التي تسانده في ذلك! وها نحن شهدنا كيف كان داعما لنظام حسني مبارك لعقود وليمن علي عبدالله صالح، ولا يزال حتى اليوم، ولقذافي ليبيا، ولبشار سوريا، أما إن فرحنا بديموقراطية حقيقية فإنه يتحرّك لإجهاضها بـ«عصا» الديموقراطية ــ أيضاً ــ كما حصل بفصله لجنوب السودان، وصنعه وتأييده لديموقراطية منحرفة في العراق تطل علينا بنفَسٍ طائفي كريه، ويحاول إيجاد نموذج مماثل له في سوريا، ولم تسلم ديموقراطية لبنان من شله لها بسبب مواقفه المؤيدة للتقسيم والمحاصصة الطائفية، وها نحن نشهد دوره في القضاء على ديموقراطية ليبيا على يد رجل من صنعه، ولا يختلف المشهد عن ذلك في الدول العربية الأخرى.

بإيجاز، فإن الغرب لا يعبأ بمن يحكمنا صالح أو طالح، ديموقراطي أو دكتاتور، من أبنائنا أو وارد لنا من الخارج، معمر للدولة أو مخرب لها، إنما يريد حكاما مثل الدُّمى، يحركهم في تحقيق مصالحه وترتيب أوضاعه السياسية الدولية متى شاء وكيف شاء، أما الحديث عن حرصه على قيم الديموقراطية واحترام إرادة الشعوب ومطالبته بالتداول السلمي للسلطة فجميعها شعارات للاستهلاك السياسي، ودليلها الحاسم أوضاعنا منذ 80 عاما تقريباً المتقهقرة، والتي هي خير شاهد على الغرب في إفساده للديموقراطية لدينا.

اللهُمَّ إنِّي بَلَّغْت!



أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net


أضف تعليقك

تعليقات  0