صداقة مقلوبة


إن ما يحزن الإنسان أن يتكلم عنه أصدقاؤه فيما يكره في غيابه، وهم الذين عندما يرونه تهشّ الوجوه وتبتسم العيون وتتطاير عبارات الترحيب هنا وهناك تعطر المكان والزمان، وحينما يدير لهم ظهره تبدأ السكاكين تأخذ منه كل مأخذ، وقد كان قبل دقائق الصديق المخلص الودود .

هل نحن نعيش في الزمن الخطأ ؟! أم أن الزمن الخطأ فرض نفسه علينا ؟!
 
الأيام باقية والأقدار ماضية لا يتحكم بها أي مخلوق مهما علا قدره، والحقيقة المرة التي يجب علينا التسليم بها هي أننا فقدنا الثقة في دواخلنا، فالصداقة عنصر جميل، وخلق إنساني رفيع، وهي رغم كونها مشاعر إنسانية مكتسبة عن طريق التعارف، إلا أنها تضفي على العلاقات البشرية بُعدًا أخلاقيًّا، ونوعا من أنواع الدفء الإنساني الذي يجعل الأصدقاء يشعرون أنهم كالبنيان المرصوص .
لكن، مهما عَصَرَت الأخطاء النفوس، إلا أنها لن تكون دائمًا قبيحة
فمن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه
فالخطأ قد يكون نقشة سوداء تزيّن الثوب الأبيض لتجعله صالحًا للبقاء، وممتلئًا بالحب والحياة، ولا يكون أبيضًا قاتلا كالكفن . والأخطاء عندما يقوم بها الإنسان أو يرتكبها، تكون فرصة سانحة له ليكتشف بها أخطاء الآخرين ونواياهم وطريقة تعاملهم مع هفوات غيرهم، فمنهم من يضخم هذا الخطأ أو ذاك، ومنهم من تغض الطرف عنه حياء ليمر بسلام . فهناك الكثير من المتطفلين الذين يصطادون في الماء العكر، حتى لو لم يكن لهم في الموضوع لا ناقة ولا جمل، والأجمل من هؤلاء وهؤلاء أولئك الذين لا يذكّرونك بأخطائك بمناسبة أو دون مناسبة .

على هذا الأساس، فإن الأخطاء واردة والتجاوزات حتمية، لأننا بشر و « كل ابن آدم خطّاء « وهي ضرورية لبقاء هذا التواصل الاجتماعي، فلولا مرارة البكاء ما أحس الناس بلذة الفرح.

هناك طوائف من البشر تعمل جاهدة على قتل هذا الإحساس النبيل، وتسعى لقطع هذا الحبل المتين الذي أنعم يه الخالق سبحانه وتعالى على عباده، ليتواصلوا، وتقوم العلاقات الاجتماعية على أساس الحب والاحترام المتبادل، وأمثال هؤلاء البشر مخلوقات غير طبيعية تسبح عكس التيار، لتصل إلى مآربها في تدمير كل شيء جميل في هذه الحياة، لكن النفوس لها حقوق تفرض على أصحابها أن يصرخوا في وجه الأحداث، ليخرجوا ما بها من صدأ، ولا يعرف معنى الصداقة إلا من صفت نفسه من الشوائب والأحقاد و وصار بشرًا سويًّا، والإنسان لابد له أن يحزن على تلك الأيام الخوالي التي قضاها مع أولئك البشر، وليس لديه إلا إطلاق الآهات، فهي على الرغم من كونها من علامات الضعف الآدمي، والإحساس بالهزيمة، إلا أنها في المقابل هواء طاهر، ينقّي النفوس، ويغسل القلوب من الشوائب، لكي تبدأ المشاعر تتنفس الصعداء من جديد، بعيدًا عن أي إشعاع شيطاني ضار بالجنس البشري.
أضف تعليقك

تعليقات  0