فليحافظ على مصر قوية


يوم أمس تم الاحتفال بتنصيب الرئيس الجديد لمصر عبدالفتاح السيسي، وهي مناسبة مهمة أن تتم الكتابة بالتزامن معها بروية وتعقل ورؤية ثاقبة لمصلحة مصر ومصلحة الأمة العربية، بعيدا عن الانفعال وردود الفعل اللاعقلانية، أعرف أن مصر مرت وتمر منذ ثورة 25 يناير بحالة من اللااستقرار، تمازجت معها العديد من الفتن والمحن؛ فتنة الانقسام وفتنة تحريض الفرقاء بعضهم على بعض، خصوصا الأحزاب السياسية، كما مرت عليها محنة التخوف من عودة حكم العسكر بعد سقوط حسني مبارك، ومحنة التفرد من قبل الاخوان بعد نجاحهم في الانتخابات، ومحنة إسقاط رئيس منتخب وما تبعه من تصلب الأطراف كافة في مواقفها، مما أفرز مزيدا من المواجهات وحالة من القلق على مستقبل مصر.

الآن وقد بدأ تنفيذ خريطة طريق عودة مصر للحكم المدني، من خلال انتخاب رئيس لمصر هو عبدالفتاح السيسي، بوصفه رئيسا مدنيا وليس عسكريا، وستتبع هذه الخطوة انتخابات لمجلس الشعب قريبا، فإن المطلوب من الجميع أن يفتحوا صفحة جديدة يغلب عليها العقل والمنطق، بسلوك فيه تسامح غير مسبوق، وتعالٍ عن الجراح ملح، وقد يقول قائل: ليس للتسامح محل وقد فات أوانه، إذ ان الأمر بيد القضاء، وكما قد يقول قائل ولا مجال للتعالي عن الجراح فقد مات كثيرون وأكثر منهم في السجون والمعتقلات، ولكن أقول: ما زال كل ذلك ممكنا تجاوزه، بل ضرورته ترجح أي مصلحة أو تصور آخر، فلا مفر من أن يلتئم الجميع في تعزيز كيان مصر والحفاظ عليها قوية منيعة بأبنائها، عصية على أعدائها حفاظا على قوتها، وتدعيما لكونها سندا للأمة العربية والإسلامية.

عندما قامت ثورة 25 يناير تمنيت حينها أن يتم التعامل بتسامح مع الرئيس حسني مبارك ابان مرحلة حكم المجلس العسكري، وأظن أن مناسبة تنصيب رئيس جديد بعد انتخابات - مهما قيل عنها أو الاختلاف بشأنها - فانها تعبّر عن تطلعات لشريحة لا يستهان بها من أبناء الشعب المصري تنشد الاستقرار وطيّ صفحة الانقسام وتجاوز أجواء الفتن والمحن، فمصر بحاجة لمن يعمل على إعادة بنائها وإعادة أجواء المصالحة والتعايش السلمي والسياسي لها، لتتحرك عجلة التنمية فيها بما ينعش اقتصادها ويرفع مستوى معيشة أبنائها بما يتناسب وإمكانات مصر الحقيقية.

فرئيس الجمهورية، الذي تم تنصيبه بعد انتخابه، هو رئيس لكل المصريين، وأتمنى أن يسعى الى توحيدهم من خلال التسامح الذي يتسم به القادة، وأن يشرك الجميع في العملية السياسية القادمة، وأن تعتبر السنة الماضية مرحلة استثنائية تطوى بعفو رئاسي شامل، باجراءات مدروسة وعملية، وعلى من ينازع بشرعية انتخاب الرئيس أن يغير خطابه، وأن يتقبل الواقع، وان يعيد حساباته لينخرط في العملية السياسية، فمستقبل مصر وقوة مصر أهم من استمرار الفرقة والتنازع.

ولعل الانتخابات التي جاءت بالرئيس عبدالفتاح السيسي تحمل في معطياتها أسسا للتفاؤل بمستقبل أفضل لمصر، فالرئيس الجديد يدرك صعوبة المرحلة وأهمية نجاحه في مسؤولياته، لأن ذلك هو ما تحتاجه مصر وينتظره الشعب، وهو خياره للاستمرار في الرئاسة بانتخابات قادمة، لأن تداول السلطة هو أهم مظاهر مصر الجديدة، وتمر على الدول والشعوب فرص ومناسبات لا يجوز تفويتها لأنها قد لا تتكرر، وأظن أن تنصيب رئيس جديد منتخب لمصر من هذه الفرص، فأتمنى أن اغتنامها لمصلحة مصر والأمة العربية.

أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0