«الدمّلة الخبيثة!»



كنا نطالب دائماً بضرورة تغيير نهج الحكومة وعقلية إدارتها السياسية، وليس فقط تبديل شخصياتها من أجل تحريك المياه الراكدة إذا أردنا فعلاً الخروج من حالة الرتابة الفاشلة والتراجع على جميع المستويات.

هذا التشخيص بات ضرورة ملحة أيضاً للمعارضة ونهجها وأسلوبا لعملها، حتى طريقة حشدها للجمهور ومخاطبته، والندوة الأخيرة في ساحة الإرادة كشفت بوضوح أن هذا النوع من المعارضة التقليدية لم يعد مؤثراً، أو أنه غير قادر على تحريك المياه السياسية الراكدة أيضاً.

فالشعب الكويتي انقسم إلى فريقين لدودين تستقطبهما الخلافات الشخصية والمواقف العدائية المسبقة، ولا يمكن لأي طرف أن ينقل رأياً أو يوصل قناعة أو يثبت دليلاً، وإن كان موثقاً، للطرف الآخر، بل لم يعد بالإمكان أن يسجل أي فريق نقاط انتصار على الفريق الآخر، وصار البديل هو تعبئة كل طرف جمهوره المعروف أكثر فأكثر في تراشق للتهم، والتهكم والسخرية والاستهزاء إلى آخر أشكال الحرب الكلامية.

وسط هذه المعادلة الراكدة تعيش الأغلبية الصامتة مع همومها، ويزداد قلقها ويأسها، ولا تملك سوى الفضول في متابعة هذا المشهد المأساوي، وخلال السنوات القليلة الماضية وعلى إثر حالة الاستقطاب السياسي الحاد فإن النتيجة الوحيدة التي جنيناها كانت فقدان هيبة الدولة، واستباحتها واهتزاز الثقة بمؤسساتها الدستورية والسياسية.

أكاد أجزم بأن كل كويتي سواءً في خندق الحكومة أو مع جبهة المعارضة أو المحايدين منهم، وكذلك الصغير والكبير،

والمثقف والعامي، والمسؤول والمواطن، والإسلامي والليبرالي، والقبلي والحضري، والسني والشيعي، لا يراوده شك في أن الفساد بكل صوره مستشر حتى النخاع، وأن القانون معطل وأن البلد «سايبة» بمعنى الكلمة، ومع ذلك لا يوجد متهم ولا مدان، والكل يقذف المسؤولية على الكل، والموضة السياسية الجديدة صارت هي المؤامرة في مقابل المؤامرة!

قصة التحويلات الأخيرة لم يتم التعامل معها حضارياً وجدياً في إطار المصلحة الوطنية العليا، لا من قبل الحكومة ولا المعارضة، واستغلت للاستمرار في حرب كسر العظم، مع ذلك فرضت نفسها وبتبعات خطيرة من التشكيك والضعف إدارة الدولة، سواءً كانت القصة مفبركة كما يقول البعض أو كانت صحيحة كما يدعي البعض الآخر، وستظل كبقية سابقاتها من القضايا والفضائح القديمة مدفونة تحت الرمال حتى إشعار آخر.

هذه القضية لا تخلو من احتمالين، وتتطلب حسابين: إما أنها واقعية أو وهمية، ويقتضي الأمر في كلا الحالتين محاسبة الكاذب ومعاقبة المدان، ومثل هذا الحكم لا يستطيع أن يصدره سوى طرف ثالث محايد وموثوق به حتى من الطرفين المتعاديين، ويمكّن بكل الأدوات القانونية والفنية الوصول إلى الحقيقة، فهل يتداعى المخلصون من أبناء هذا البلد للتصدي لهذا الأمر وتخليص الجميع من هذه «الدمّلة» الخبيثة!
أضف تعليقك

تعليقات  0