استثمار في العباقرة


في ربيع الأول من سنة 41 هـ تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما إلى معاوية بن أبي سفيان عن الخلافة, وعلق المؤرخ ابن كثير على هذه الحادثة قائلاً: «وذلك كمال ثلاثين سنة من موت النبي صلى الله عليه وسلم, فإنه توفي في ربيع الأول سنة 11 من الهجرة, وهذا من دلائل نبوة سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه».

يشير إلى حديث حسن الإسناد رواه الترمذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك».

وببيعة الحسن أصبحت كل البلاد التي كان يحكمها من قبل كالعراق وفارس وما وراء فارس خاضعة لحكم معاوية. ولم يستعص عليه أحد من الولاة إلا زياد بن أبيه الذي رفض البيعة وتحصن عن معاوية بقلعة سميت فيما بعد بقلعة زياد.

وقد عمد معاوية إلى ملاينته وسعى لكسبه قريباً من سنة حتى نجح في ضمه إليه. يقول ابن حزم: «لقد امتنع زياد وهو فقعة القاع (الكمأة) لا نسب له ولا سابقة فما طاقه معاوية إلا بالمداراة ثم استرضاه وولاه».

فمن يكون زياد ولماذا داراه معاوية؟ ولد زياد في العام الأول للهجرة وكانت أمه أمة وأبوه مختلف فيه وقد حصل في صغره على تعليم جيد، وكان شديد الذكاء قوي الشخصية، ومن أكثر أهل زمانه بلاغة وقدرات إدارية ودهاء سياسي. كلفه مرة عمر بن الخطاب بمهمة فبرع فيها ثم حضر إلى مجلس عمر ليعلمه بما صنع وكان في المجلس كبار القوم فتكلم زياد بكلام بليغ يسحر الألباب, فقال عمرو بن العاص وكان حاضراً: «لله در هذا الغلام لو كان أبوه قرشياً لساق العرب بعصاه».

ولما تولى علي بن أبي طالب الخلافة وليَ له زياد ولاية فارس.

وبعد التنازل رفض زياد بيعة معاوية وكانت كل العناصر تغري معاوية استخدام القوة لإخضاعه, منها أنه كان يتمتع بكامل الشرعية بعد أن بايعه الجميع بما فيهم كبار الصحابة كسعد وابن عمر وابن عباس, ومنها أنه كان يمتلك جيشاً قوياً, ومنها أنه كان يحكم أرضا تمتد من المغرب إلى قلعة زياد, ومنها كذلك فكرة أن يجعل زياد عبرة لكل من يتمرد على الدولة, ومنها فكرة أن لا يظهر بصورة الضعيف في بداية خلافته. كان يمكن لهذه العناصر مجتمعة أن تدفع كل أحد باستخدام القوة إلا من يملك فهم ودهاء معاوية الذي كان يملك قدرات سياسية وإدارية بنفس مستوى خالد بن الوليد العسكرية، لذلك عرف أنه في ظرف تاريخي صعب ويواجه تحديات خطيرة جداً وله أعداء يتربصون به، فكان على يقين أنه لن يستطيع أن ينجح في تجاوز هذه التحديات وبناء دولة قوية مرهوبة الجانب إلا باستخدام دهاة الرجال وأصحاب العقول الجبارة ومن هنا كانت أهمية زياد الذي يعرف معاوية جيداً عبقريته ومواهبه الفذة، ولذلك حرص على كسبه إلى جانبه والاستفادة من قدراته في توطين الأمن وتقوية أركان الدولة، فولاه العراق موطن الفتن آنذاك فحكمها زياد بقبضة من حديد وفرض فيها الأمن والاستقرار، وسن فيها القوانين والتنظيمات، وقام بإصلاحات كثيرة حتى أصبحت البلاد التي تحت يده نموذج الاستقرار والتنمية وزاد دخل الولاية أضعافاً مضاعفة, ومن طرائف زياد أنه كان يلزم الناس بنظافة بيوتهم وما حولها واشترى عبيداً فأوكل إليهم تنظيف الطرقات من القاذورات وكانت أول خدمة عمومية للنظافة.

كان معاوية من دهاة الرجال ويتميز بفراسة صادقة بين الرجل صاحب المواهب والقدرات الحقيقية وبين المزيف الذي يتشبع بالمواهب والقدرات وهو عار عنها كما يميز العاقل بين انتفاخ الشحم كأثر النعمة وانتفاخ الورم كدليل على المرض. يقول الشاعر:

أُعِيذُها نَظَراتٍ مِنْكَ صادِقَةً

أن تحسَبَ الشّحمَ فيمن شحمهُ وَرَمُ

وقد قيل: إن دهاة ذلك الزمان أربعة هم: معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وزياد بن أبيه والمغيرة بن شعبة. وقد نجح معاوية في توظيف الثلاثة الدهاة تحت إدارته وأكرمهم وأحسن توظيفهم لخدمة أهدافه ولم يكن معاوية ممن يتبع سياسة (مش حالك) ويقبل بالتالي بالاعتماد على أي أحد ولو كان من أصحاب المواهب والقدرات الضعيفة, ولذلك عندما أحسن اختيار من يعتمد عليهم كانت إنجازاته باهرة في زمانه ومعلماً في التميز الإداري والسياسي.

وفي العصر الحديث في العالم المتقدم سواءً في إدارة الدول أو الشركات التجارية أو حتى الأندية الرياضية يُقدم أصحاب المواهب والقدرات المتميزة الذين يستطيعون أن يقدموا إضافات عالية في مجالهم لذلك نرى بعض الأندية الرياضية العالمية تدفع مئات الملايين للاعب أو لاعبين وهي تعرف المكاسب المعنوية والمادية التي تربحها من وجودهم في الفريق.

يقول جاك ويلش أحد أكبر القياديين الإداريين في أميركا عن سر النجاح الكبير في عمله: «إنني دائماً ما أقوم بتعيين موظفين أكثر ذكاءً مني», ويقول فيلسوف السياسة الكبير ميكافيلي: «إن أهم وسيلة لتقييم ذكاء القائد هي النظر إلى الأشخاص الموجودين حوله».


أضف تعليقك

تعليقات  0