المشهد الأخير لتقسيم سوريا والعراق


منذ أكثر من سنتين وأنا أحذر من تقسيم العديد من الدول العربية بمنظومة الشرق الأوسط الجديد، وأشرت إلى أن تأجيل أميركا لإسقاط المقبور صدام حسين منذ عام 1991 وحتى عام 2004 كان لتهيئة النظام البديل، وقد كان ذاك عبر التفاهم مع إيران على إقامة دولة موالية لإيران، وهو ما حرصت إدارة أميركا في العراق أثناء مرحلة بريمر على الترتيب له، وقد تم ذلك من خلال ملاحقة الآخرين وإضعافهم في العراق للاتيان بنظام فئوي يدخل العراق والمنطقة في حالة اللااستقرار عبر نظام انتخابي قائم على الأثنية والعرقية والطائفية.

ها نحن نرى اليوم أن العراق أصبح قاب قوسين أو أدنى من التقسيم لثلاث دويلات: كردية وشيعية وسنية. وهاهو رئيس وزراء كردستان العراق نيجيرفان البرزاني ينطق بهذه الحقيقة بانه «من شبه المستحيل» ان يعود العراق كما كان عليه قبل سقوط الموصل.

إذاً من السذاجة أن يتم التعامل والنظر الى ما يحدث في العراق في الأسبوعين الماضيين على أنه تفوق وقدرة حقيقية لـ «داعش»، وهي جماعة تثير القلق وعلامات التعجب حول ماهية ارتباطاتها وأغراضها المخيفة والمهددة لدول المنطقة. فمن الواقعية والدقة أن ينظر للأحداث في سياقها الطبيعي، فقد أسهمت إدارة المالكي الطائفية الممنهجة في إيصال العراق إلى ما هو عليه اليوم، فقد ثارت العشائر السنية في مواجهة التصفية المذهبية والعزل والتهجير التي مارسها المالكي في إدارة العراق، وهو ما سارع الخطى لتحفيز ما يشبه الحرب الأهلية بين العشائر السنية ونظام المالكي، وقد استفاد «داعش» والبعثيون من هذه المعطيات التي على الأرض، فقادوا معارك ضد النظام في مناطق سنية عجلت بسقوط هذه المناطق تحت سيطرتها.

المحزن أن الدور الإيراني كان اللاعب الرئيسي في مشهد التأجيج الطائفي في العراق وفي سوريا لأهداف وأغراض بسط النفوذ الإيراني على المنطقة، وهو ما انعكس على الحالة السورية، وهو المشهد ذاته الذي يسود في العراق أيضاً، فالمتطرفون المتحكمون بأحداث سوريا والعراق وضعوا الطرف الآخر في موقع الدفاع عن النفس، وهذا المشهد تحديداً سمح بظهور بعض المتطرفين الآخرين مما عقد الأمور ودمر سياسة التعايش الطبيعي بين السنة والشيعة، والخشية في النهاية أن تكون المحصلة النهائية فصولاً لحرب طائفية لا تبقي ولا تذر، أحد مشاهدها، التي باتت قريبة جداً، هو تقسيم العراق وسوريا الى دويلات متنافرة تعيش حالة توتر وقلق دائمين، لتكون الحروب والمناوشات المسلحة أحد ملامحها الأكيدة. وهكذا وبكل حسرة يكون قد نجح مخطط التقسيم.

اللهم اني بلغت.

أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0