«داعش» و«الغبراء» الأسئلة أكثر من الأجوبة


هذه المنطقة تسبح في بحيرة نفط، وفي ذات الوقت تسبح في بحر من الدماء، حصة الفرد فيها من التطرف والحروب قد تكون الأعلى في العالم منذ 1980، وربما أن هناك علاقة بين النفط وكثرة الحروب.

أتاح لي وجودي في واشنطن، للإدلاء بشهادتي تلبية لدعوة محامي معتقل غوانتنامو فايز الكندري، فرصة التعرف عن قرب على انعكاس تسارع الأحداث في العراق والمنطقة، على “الحلبة “السياسية الأميركية.

زاد من ذلك أنني دعيت للمشاركة بحلقة نقاشية، شارك فيها أكاديميون ومسؤولون أميركان. وكان من الطبيعي أن يأخذ “تقدم داعش” حظه الأكبر من الاهتمام. كانت الأسئلة أكثر من الأجوبة، وحالة الارتباك الذهني هي السائدة.

ففي سياق الحروب العبثية، غزت الولايات المتحدة العراق في 2003 باندفاع متطرفي “المحافظون الجدد”، للقضاء على “محور الشر” المزعوم، وأنهت حكم الطاغية المستبد، ونصبت بول بريمر حاكماً مطلقاً على البلاد، ولم يتم بناء دولة جديدة على مبادئ العدالة والمساواة والديمقراطية، كما كان معلناً، بل تم تفكيكها، وإنهاكها، وتعزيز الفساد فيها، وبناء نظام محاصصة طائفية عرقية.

وبدلاً من “انتهاء المهمة” في مايو 2003 كما أعلن بوش حينذاك، تحولت إلى أطول حرب، مات فيها قرابة الـ5000 أميركي ومئات الآلاف من العراقيين، وجرح وتشوه ما لا يعد ولا يحصى. وبلغت كلفتها تريليونات الدولارات، واستحق صفة “أسوأ قرار خارجي في تاريخ الولايات المتحدة”، ومع ذلك لم يحاسب أحد حتى الآن.

في أبريل 2003 توجهنا للعراق المحتل ضمن منظمات دولية حقوقية إنسانية، بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، التي تمنح حماية مطلقة للمدنيين أثناء الاحتلال، ورصدنا ووثقنا ونشرنا الانتهاكات التي مارستها قوات الاحتلال، ولم يكن هناك حينها لا “داعش” ولا ماعش ولا غير ذلك.
ذكرنا القوات المحتلة مراراً بالتزاماتها، شارحين خطورة استمرار تلك الانتهاكات على الاستقرار، وأنه لامستقبل لأميركا في العراق، وأن استمرار سلوكها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار، ولم يتم التجاوب إلا بعد سنوات من الدم والأذى والقهر و”أبوغريب” وأولاده، وبعد أن صارت الفوضى لا حدود لها.

تقدم ”داعش” في العراق ليس حادثاً منفرداً فجائياً، فحتى اللحظة لايزال التنظيم مجهولاً، وكذلك من يقف وراءه، فقد جاء في سياق فوضى إقليمية، تشارك فيها أطراف عديدة، لا يحكمها عقل ولا يردعها دين، بل هي إبداع في السلوك العدمي.

القتل الجماعي الذي سعت إلى نشره “داعش” وتصدره الصفحات الأولى في واشنطن، يشير إلى عدم إمكانية إقامته دولة على العراق كلها، وبالتالي إما تفكيك داعش أو تفكيك العراق وتقسيمه. فإن تم إنهاء “داعش” مع بقاء الوضع على ما هو عليه، فستخرج أخرى، ولا مخرج إلا بالتوافق العراقي الإقليمي الدولي، وهي معادلة صعبة ولكنها ليست مستحيلة.

حرب أميركا الطويلة في العراق لم تنته بانسحابها، بل مازالت مستمرة، وما “داعش” إلا حلقة فيها لما يمكن أن يكون حرب داحس والغبراء التي نشبت حول فرسين بين قبيلتين واستمرت 40 سنة حتى شاركت فيها كل القبائل. وللحديث بقية.
أضف تعليقك

تعليقات  0