فساد سياسي ومعالجات قاصرة


كلما ضاقت قاعدة المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات العامة، أي كلما ازداد احتكار السلطة والثروة ارتفع معدل الفساد السياسي، وكبر حجم الفضائح السياسية، وازداد بالتالي عدم الاستقرار الاجتماعي- السياسي، والعكس صحيح وذلك لسببين: أولهما غياب المساءلة السياسية التي تحدّ من تنامي الفساد السياسي وتقضي عليه في مراحله الأولى، وثانيهما أن الصراع السياسي في هذه الحالة يكون في دائرة صغيرة وضيقة للغاية، أي بين كبار المتنفذين الذين غالبا ما ينظرون إلى الدولة وكأنها شركة مقفلة يتسابقون في احتكار ملكيتها، وبالتالي السيطرة على ثرواتها وخيراتها.

من هذا المنطلق فإن توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في إدارة شؤون الدولة والمجتمع يؤدي، مثلما هي الحال في الدول الديمقراطية الحقيقية، إلى الاستقرار الاجتماعي-السياسي؛ لأن الجميع يتحمل مسؤولية مشتركة عن نتائج السياسات العامة، فالقرارات تُتخذ من قِبل الأغلبية مع حفظ حقوق الأقلية، ومن ضمنها حق الاعتراض بالوسائل السلمية، لهذا يضعف الشعور بالظلم الاجتماعي والإقصاء والتهميش السياسيين.

ومن المؤسف أن قاعدة المشاركة الشعبية في إدارة الدولة قد تراجعت كثيراً بعد مرسوم الضرورة المتعلق بقانون الانتخاب "الصوت الواحد"، كما خفت صوت منظمات المجتمع المدني التي تحد من السلطة المطلقة؛ لذلك ازداد احتكار السلطة والثروة معاً، وازدادت معه شبهات الفساد السياسي، والدليل على ذلك هو الاتهامات التي تحمل أبعاداً سياسية خطيرة (تتعلق بارتكاب جرائم أمن دولة وجرائم غسل الأموال والتخابر مع دولة أجنبية وجرائم التعامل مع إسرائيل)، والتي وجهها نائب رئيس مجلس الوزراء سابقاً إلى كل من رئيس الوزراء السابق والرئيس الأسبق لمجلس الأمة، حيث إن المُدّعي والمُدّعى عليهما من كبار المسؤولين السابقين وكبار المتنفذين أيضاًَ، وتقول الإشاعات الكثيرة المتداولة إن قائمة المتهمين طويلة تشمل أكثر من مئة شخصية تتراوح بين شخصيات سياسية كبيرة وكبار المسؤولين التنفيذيين الذين لهم سابقا أو حاليا علاقة مباشرة بطريقة أو بأخرى بدائرة اتخاذ القرار السياسي.

ومع أن المؤشرات الأولية تشي بأننا أمام فضائح سياسية كبيرة من المتوقع أن يتكشف تباعاً المزيد من تفاصيلها الصادمة، والناس تنتظر قرارات جريئة وسريعة تعيد لها ثقتها بمؤسسات الدولة وسلطاتها العامة، إلا أن المعالجات المطروحة من قِبل السُلطة حتى الآن لا تتعدى المعالجات التقليدية التي لا تتناسب إطلاقاً مع طبيعة الاتهامات وحجمها والمعنيين بالقضية، حيث إنها تحصرها، كما جرت العادة، في الشق الجنائي الذي يعاني قصوراً واضحاً سبق أن أثارته النيابة العامة أثناء نظر فضيحة الإيداعات والتحويلات المليونية، مع الإهمال الكامل للشق السياسي، سواء بتحمل الحكومة المهيمنة دستورياً على مصالح الدولة لمسؤولياتها السياسية، خصوصاً أن اتهامات الفساد السياسي تطول مؤسسات الدولة وسلطاتها العامة، أو- وهو الأكثر أهمية- البدء بمعالجة الأسباب الجذرية التي أدت إلى التراجع الديمقراطي، وتضييق قاعدة المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات العامة واستشراء الفساد السياسي!
أضف تعليقك

تعليقات  0