فيديو: المراهق الذي غيّر العالم وقتل الملايين برصاصتين

 


 


منذ 10 أعوام ظهر من أحد الأديرة مسدس حكايته قصيرة، لكنها بين الأفظع في التاريخ، فمنه أطلق مراهق رصاصتين تلاهما “تسونامي” دموي اجتاح معظم أوروبا طوال 4 سنوات، وانتهى بتحولات “جيوسياسية” أحدثها في القوى والتحالفات والموازين، وبما لا ينساه أحد: أكثر من 16 مليون قتيل و21 مليون جريح ومشوّه، وهذا هو الاختصار المؤلم لما سبّبه اغتيال تمر عليه السبت المقبل 100 عام تماما.
برصاصتين من مسدس “براوننغ 9 ملم 1910FN ” بلجيكي نصف أوتوماتيكي، سقط وريث العرش الإمبراطوري النمساوي- المجري في 28 يونيو 1914 قتيلاً هو وزوجته صوفي، حين كانا في زيارة رسمية لمملكة صربيا، وبعدها بشهر ولد مع الثأر ما اشتعل به أخطر فتيل، وهي الحرب العالمية الأولى.
مطلق النار كان الطالب الصربي غافريلو برينسيب، الشاب الذي ليس بين سكان الأرض البالغين أكثر من 7 مليارات من يعرفه شخصياً، والذي تنشر “العربية.نت” صورته إلى جانب مسدسه الذي وجدوه في 2004 بدير لليسوعيين في مدينة “غراتس” عاصمة ولاية “ستيريا” البعيدة بأعالي الجنوب الشرقي النمساوي200 كيلومتر عن العاصمة فيينا.


في 2004 فقط ظهرت صورة للمسدس، مع معلومات عنه اكتمل بها شبع الفضوليين، ولو بعد 90 سنة مرت ذلك العام على رصاصتين انطلقتا من فوهته، وبهما اغتال الشاب المراهق ولي عهد النمسا، أمير المجر وبوهيميا الأرشيدوق فرانز فرديناند، وهو يتجول في مدينة سراييفو بسيارة مكشوفة مع زوجته التي تصغره بأربعة أعوام، وله منها 3 أبناء، ولم يعودا بعدها إلى فيينا إلا جثتين.
ولم يمر شهر على الاغتيال، إلا وانتقمت الإمبراطورية النمساوية- المجرية من مملكة صربيا في 28 يوليو 1914 بإعلان الحرب عليها ذلك اليوم وغزوها، فردت ألمانيا بغزو بلجيكا ولوكسمبورغ، وواجهت إعلان حرب عليها من بريطانيا، وبعد3 أشهر انضمت الدولة العثمانية للقتال، وابتليت أوروبا بأسوأ حرب دامت 4 أعوام.
وسريعاً تغيّر العالم، فالحرب التي أنهت الإمبراطورية العثمانية انتهت أيضا بهزيمة ألمانيا، والهزيمة تسببت بانهيار اقتصادي، جعل الألمان يأتون بأدولف هتلر وحزبه القومي إلى الحكم، فأوقدها “الفوهرر” حرباً عالمية ثانية، ولدت فيها وبسببها القنبلة الذرية، ثم دولة إسرائيل، وتلتها الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. أما العرب فبدأوا يتذوقون طعم الاستقلال عن مستعمريهم دولة بعد دولة.
ومع التغيّرات عرف العالم الحرب الكورية، وأسوأ منها فيما بعد الحرب في فيتنام، ثم انقلبت أوضاع معظم العرب بعد حرب 1967 مع إسرائيل، وتغير النظام بإيران وأفغانستان، ودرّب الأميركيون الأفغان العرب، فظهر بن لادن و”القاعدة” والحرب على الإرهاب وغزو العراق.

مسلم خطط لعملية الاغتيال المزدوجة

كل ذلك كان بسبب مراهق، لم يكن الظرف ليسمح له باستخدام مسدس كان بحوزته لو لم يكن جائعاً واشترى سندويتشاً من دكان في شارع، لم يكن مقررا أن يمر به موكب ولي عهد النمسا أصلا، لكنه كان “المكتوب” من القدر، أو صدفة أفظع وأشرّ من ألف ميعاد، ولولاها لا أحد يدري ما كان عليه العالم الآن.
وكان غافريلو، وهو رابع 9 أبناء لعائلة من الفلاحين، واحداً من 6 عناصر كلفتهم منظمة “القبضة السوداء” الناشطة ذلك الوقت لاستقلال صربيا، باغتيال ولي عهد النمسا حين زيارته لسراييفو، وجميعهم كانوا مسيحيين من الصرب، طبقاً لمعلومات قرأتها “العربية.نت” عنهم، إلا الأهم بينهم، وكان مسلما من البوسنة اسمه محمد مهمد باشيك، وهو المخطط الأول لعملية الاغتيال المزدوجة.
اتخذ كل منهم مكاناً مختلفاً عن الآخر وفي حوزته قنبلة يدوية لرميها على سيارة الأرشيدوق حين يمر موكبه أمامه، إلا غافريلو الذي اقتصرت مشاركته على المراقبة، لذلك تسلح فقط بمسدس، وانتظر في منطقة بعيدة كليا عن التي كان يتجول فيها موكب الزائر الرسمي، فرصدوا الأرشيدوق حتى مر الموكب في شارع كان فيه من يرصده بين الستة، فرماه بقنبلة وقعت خلف السيارة، بحسب ما يظهر من الفيديو الذي تعرضه “العربية.نت” وفيه نرى الموكب يتابع سيره بعد نجاة الأرشيدوق من المحاولة.



وأصبح وزنه 40 كيلوغراماً

بعدها قام ولي العهد بزيارة مستشفى نقلوا إليه من أصيبوا بجروح من انفجار القنبلة خلف الموكب، وحين خرج وبرفقته زوجته أخطأ السائق بالطريق، فانحرف إلى شارع في زاوية منه دكان كان بداخله غافريلو برينسيب يشتري سندويتشا ليسد به جوعه، فسمع ضجة فهم منها أن موكب ولي العهد قادم وأصبح قرب المكان.
نسي غافريلو جوعه ورمى السندويتش على الرصيف، ووقف عنده ينظر إلى السيارة المقبلة نحوه وعليها الصيد الثمين، وهو الذي كان يعتقد أن أحد رفقائه نجح باغتيال ولي العهد الإمبراطوري، لكنه رآه بعينيه في السيارة وقد أصبح أمامه قريبا أقل من مترين، فسحب مسدسه وعاجله برصاصة، تلاها بثانية قتلت أيضا زوجته.
وأسرعوا لاعتقاله في مسرح الاغتيال، فابتلع سم زرنيخ كان بحوزته، لكنهم أدركوه وغسلوا معدته وأبقوه حياً، ثم زجوا به في زنزانة انفرادية، واعتقلوا بقية المتورطين، فمثلوا أمام محكمة أدانتهم جميعا بالإعدام، إلا غافريلو، لأن عمره 19 سنة، أي كان لا يزال قاصراً في نظر القانون ببدايات القرن الماضي، لذلك أدانوه بالسجن 20 سنة، مع حرمانه يوما كل شهر من الطعام.
بعد 4 سنوات، وقبل أشهر من نهاية الحرب العالمية الأولى، استفحل فيه مرض “السل العظمي” ففتك بمجمل عظامه وجعل وزنه 40 كيلوغراماً تقريباً، فاعتل إلى درجة اضطروا معها إلى بتر إحدى ذراعيه بالكامل، ثم قضى بالمرض من دون أن يدري أنه أحدث انقلاباً في العالم بأسره.
أضف تعليقك

تعليقات  0