نحن ضمن مخطط التقسيم



ها هو العراق يتعرض إلى مخطط التقسيم الذي طالما سعت إليه الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيون والصهاينة، لبناء وإعادة تشكيل الشرق الأوسط من خلال المشروع الذي أطلقوا عليه «الشرق الأوسط الجديد».

وكانت السودان قد سبقت العراق وربما ستلحقها سورية وبقية الدول العربية، ناهيك عما يمارسه حكام بعض الأنظمة من تفتيت وتقسيم طولي لمجتمعاتهم، كاتاوة تدفع للأسياد الأميركان والصهاينة، عبر تأجيج النعرات المتخلّفة والتعصب البغيض دينياً وطائفياً وعرقياً وقبلياً.

ليس ما يحدث في الشرق الأوسط قدر محتوم، ولا هو بعبث ولعب بالنار لجهل أو تخلف فقط، ففي الوقت الذي لا نستبعد فيه التآمر والمخططات السابقة كما ذكرنا، ما يحدث هو نتيجة سياسات أنظمة وسلطات أجّجت الانقسام الطولي لمجتمعاتها بديكتاتوريتها وقمعها لشعوبها، وتفردها بالسلطة والقرار، وهي أفضل بيئة حاضنة للفساد ونهب ثروات الشعوب ونظام المحاصصة الذي لا يعبر عن نهج وطني لصالح البلدان والشعوب.

فالدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» ليست نبتاً شيطانياً، إنما هو إفراز التآمر الخارجي ونهج الانفراد وتقييد الحريات وانتفاء دولة القانون والمؤسسات المدنية في دولنا، بما فيها الدول الخليجية التي لن تكون بمنأى عن الخطر والجحيم القادم، الذي يمارس الإجرام الوحشي بحق البشر تحت ذريعة تطبيق الشريعة الإسلامية ودولة الخلافة.

إن ما يتعرض له أشقاؤنا في العراق من مآسٍ مثل القتل المجاني والسرقة والنهب وفرض الاتاوات والجزية، والاستيلاء على الأموال العامة وغسيل الأموال، إضافة إلى دعم بعض الدول الإقليمية العربية وغير العربية، والجماعات الإسلامية المؤيدة لهذه العصابات المتوحشة، سيطالنا نحن الشعوب الخليجية، خاصة أن الجميع بات يعرف أن هناك خلايا نائمة ومؤيدة بالعلن لداعش، بل شاهدنا جميعاً أفلام الفيديو والتغريدات في وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتم فيها مبايعة من أسموه أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي، ودعوته لاحتلال بلدانهم بنفس الطريقة الهمجية التي حصلت في سورية والعراق.

إن إخفاق الجيش العراقي ذي التدريب الأميركي الضعيف، عدا عن فلول البعث والنظام الاستبدادي السابق من ضباط واستخبارات، إضافة إلى بعض العشائر التي تعاني من التمييز الطائفي، وعدم ترسخ دولة القانون والمؤسسات وارتفاع منسوب الطائفية والعنف الأعمى والفساد المصاحبين لها، أدت إلى انهيار سريع لمحافظات بأكملها، بينما فصائل البيشمركة الكردستانية مدربة ومتمرسة عسكرياً وتنظيمياً منذ حرب «الأنصار» في أواخر السبعينيات وما قبلها وما بعدها في مكافحتها لحكم دكتاتورية حكم البعث في العراق، كما أنها إقليم مستقر ذو مؤسسات وقانون، وهذا ما جعلها تسيطر على مدينة كركوك وتصد عدوان داعش.

إن انهيار العراق سيترك تداعياته علينا وبأسرع مما نتصور، وخاصة أن شعوبنا غير موحدة وطنياً بل مفتتة وبتواطؤ سافر واستقطابات ودعوات طائفية خطرة ظهرت بالعلن، قد تؤدي إلى انهيار لمجتمعاتنا ودولنا، ولن يفيد ترديدنا بأننا محميون باتفاقيات عسكرية مع دول كبرى، إذ قد تكون هذه الدول الكبرى هي العلّة وليست العلاج.

حماية الوطن بوحدة مكوناته وانتمائها ومواطنتها الدستورية، وهذا لن يحدث في ظل النهج القائم المبني على تهميش الشعب والتفرد بالسلطة والقرار، وفي ظل نظام برلماني شكلي ونظام انتخابي غير عادل، بل ندعو إلى قرار جريء يتم من خلاله إصلاح سياسي حقيقي، وتحقيق نظام برلماني كامل وحكومة تحظى بثقة الشعب، وتعزيز دولة القانون وإعادة الاعتبار لمؤسسات المجتمع المدني، وإطلاق الحريات وضرب مراكز الفساد ومنابع الإرهاب ومصادر تمويلها، وقيام أحزاب وطنية على أسس سلمية، فهذا ما يحقق القوة والمنعة لمجتمعنا ودولتنا ويحفظ ثروتنا ويفعّل التنمية التي يكون محورها الإنسان الكويتي.

وليد الرجيب

osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0