محنة وطن


استيقظ وطني الصغير المعروف باسمه «الكويت» من سباته العميق الذي استغرق ثلاثين عاما، فوجد نفسه غريبا وحيدا بين أهله وعلى أرضه، وخيّمت عليه حالة من الذهول والخوف والقلق والشعور بالتيه والضياع، أهذا هو أنا الكويت؟! فأنا حتى لم أتمكن من التعرف على ذاتي! «معقول» أن يحدث كل ذلك بثلاثين عاما؟!

الدستور صار موضوعا للاختلاف عليه وبشأنه، بدلا من أن يكون الفيصل والمرجعية! فعطلت أحكامه، وحل مجلس الأمة أحيانا خروجا عليه، وأعيته دوائر انتخابية موبوءة بمزاد للذمم وفزعات قبلية أو طائفية أو مناطقية، فأصبح ميدانا للمساومة المصلحية أو التنفيعية!

والحكومة أصبحت عبئاً على الوطن، بعد أن زهد الرجال حقائبها، أو أُقصي عنها من هو أهل لها، فأصبح هَمّ أحدهم وبرامجه في حدوده القصوى كيف أستمر وزيرا مع إشراقة الغد، فصارت الحكومة أضعف المؤسسات وأقلّها قدرة على التماسك والبقاء!

والمواطنة تلاشت في مفهومها وقيمها، فلم يعد للوطن من قيمة إذا لم يظفر منه بغنيمة أو مغنم، فضاعت في خضم ذلك دلائل الولاء والانتماء وتبدد شيء اسمه العطاء أو الوفاء.

وازدهرت محلها وعلى أشلائه ممارسات استباحة أمواله وتبديدها والتسيب والتسكع الوظيفي بلا حياء أو خجل، وراجت الرشوة، وأبدعت العقول في تقاسم تركته، بصفقات ومناقصات تجارية أو بهبات مالية، أو بتعيينات منحرفة ومقنعة، أو المتاجرة بالإقامة.

حتى الشوارع مزدحمة ومظاهر الفوضى في العمران ومباني المدارس والمستشفيات توحي بأنني في دولة فقيرة ومتخلفة!

وتآكلت الدولة ومؤسساتها وذهبت سيادة القانون أدراج الرياح، بعد أن أصبح كل شيء يتحقق بواسطة أو بصفقة، فالشهادة، والوظيفة، والسياحة العلاجية، وتعطيل الأحكام والإفراج عن المجرمين، وغيرها من الأمور بلا حدود أو سقف تتحقق بهذا الطريق، حتى استبيح نخر الوطن في الساحات والمحافل العامة، وأصبحت السلطة التشريعية جسر العبور لذلك، والقوانين وسيلة تفصل لتحقيق المآرب.

وحلت مكان الوطن ولاءات وانتماءات عديدة تعزف على أوتار الطائفة أو القبيلة أو الفئة أو العائلة أو المنطقة، تكن جميعها الاحترام لديناره بدلا من كيانه.

ففهمت عندها غربة الوطن ومحنته، وأخذت «اطبطب» عليه، مطمئنا له ومرددا «واشتد يا أزمة تنفرج»، مستذكرا معه قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ».

اللهم إني بلغت..

أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0