مثير الفتنة!


«سميرنغ كامباين» هو مصطلح انجليزي يطلق على الحملة الإعلامية التي ترمي إلى تشويه سمعة شخص ما، بهدف ضرب مصداقيته، على أمل أن تفقد المعلومات «الحساسة» التي يمتلكها أهميتها لدى الشعب.

جورج سانتيانا، فيلسوف وروائي وشاعر أسباني، كانت له مقولة جميلة يرددها، وصارت حكمة يتناقلها الناس: «إن الذين لا يتعلمون من التاريخ.. محكوم عليهم أن يكرروا أخطاءه»!

قصة حقيقية جرت أحداثها في عام 1996.. وما أشبه الليلة بالبارحة!

«جيفري وايغاند» كان نائب الرئيس في إحدى أكبر شركات التبغ في العالم «براون اند ويليمسون». وبحكم منصبه وقعت بيده وثائق حساسة تشير إلى تلاعب شركة التبغ بـ«النيكوتين»، بما يخالف المعايير الصحية، كي تجعل المدخنين أكثر ادمانا على سجائرها، ما يزيد أرباحها «مليارات» إلى ملياراتها التي تمتلكها.

وأيا كانت الأسباب التي دفعت وايغاند للتحرك، سواء كان صراع أقطاب داخل الشركة، أو إحساسا بالمسؤولية إزاء جريمة كبرى، حاول وايغاند في البداية أن يخاطب كبار المسؤولين داخل الشركة، لعل الأمر يحل داخليا، ويتم تصحيح المخالفات ومعاقبة المتورطين.. أو على الأقل تقريعهم وزجرهم!

لكن تبين أن خصومه أقوياء داخل الشركة، ولهم أعوان خارج الشركة. فقد تم ايصال رسالة له مفادها بأنه إذا خرجت هذه المعلومات إلى العلن فسيتم تجريدك من كثير من الامتيازات، سواء على المستوى المادي أو الاجتماعي، التي تتمتع بها حاليا، وسنحرص على أن تصبح.. منبوذا داخل الشركة!

لم يقبل وايغاند بهذا التهديد، وخرج غاضبا من اجتماع الشركة، وقام بالاتصال بصحافي يعمل معدا في برنامج «60 دقيقة» الشهير، وأخبره أن لديه معلومات حساسة، لكنه لا يستطيع عرضها حاليا بسبب التزامه بـ«اتفاقية السرّية».
اجتمع هذا الصحافي ورفاقه في محطة «سي بي أس» وتناقشوا الموضوع. فكان رأي المحامي أن وايغاند لا يجب أن يخرج عن أعراف الشركة التي يعمل بها، ولا يجب أن يكشف أسرارها للخارج. فقاطعه الصحافي: «لكن هذا لا يصح، فالرجل أحد المختصين في أكبر شركات التبغ، ولديه معلومات مؤكدة عن فساد فيها شهده بنفسه».

هنا انضم مقدم البرنامج للحديث قائلا: «هل فاتني شيء هنا؟ ما هذا الهراء الذي تسمونه «اتفاقية السرّية».. لنفترض أن السر كان عن مواد سامة تلقى في نهر يشرب منه الناس، فهل يجب على وايغاند الالتزام بالسرية احتراما لأعراف أسرة الشركة، وترك المواطنين يعانون نتيجة صمته؟!..

لا، فهذا ليس من حق الشركة، بل هو من حق الشعب». فرد عليه المحامي مبتسما: «حق؟!.. المتنفذون المتورطون لا يحتاجون لحق، هم يملكون النفوذ والأموال اللازمة لمنعه هو، وأي شخص يتعاطف معه، من الكلام»!

ظل الصحافي صامتا لفترة، ثم تكلم وهو ينظر للسقف، كمن يحدث نفسه: «ماذا لو وصلت القضية للنائب العام، وطُلب من وايغاند الكشف عما لديه بأمر من النيابة، ألا يعتبر حينئذ في حل من اتفاقية السرّية، وبعيدا عن الحرج من أعراف الشركة؟!».
كانت فكرة أعجبت الفريق الصحفي، وفعلا بدأت الاتصالات بالنائب العام في ولاية «ميسيسبي» لاستدعاء وايغاند للشهادة. لكن، وبينما كان وايغاند يعد العدة للسفر إلى تلك الولاية، استطاع المتورطون استصدار أمر من النائب العام في ولاية «كنتاكي» يحظر على وايغاند الخوض في تلك القضية، ويمنعه من الحديث بها لأحد، حتى لو كان خارج الولاية.. وإلا عرض نفسه للمساءلة القانونية!

وفي نفس الوقت، تم تحذير محطة «سي بي أس» من بث أي تصريح للسيد وايغاند بعد ذلك، أو حتى ذكر اسم الشركة المتورطة، وإلا عرضت المحطة نفسها لقضايا وملاحقات قانونية قد تؤدي في النهاية لغرامات وعقوبات هائلة أو حتى..

لسحب الترخيص من ملاكها الحاليين! بعدها، تحركت أكبر حملة منظمة لتشويه سمعة وايغاند، وضعت لها ميزانية بالملايين، وأخذوا يبحثون في أدق تفاصيل حياة وايغاند والمقربين منه، من أجل إيجاد أي معلومات قد تدمر مصداقيته، فلا يصبح لما سيقوله عن شركة التبغ أهمية تذكر! وبدأ المتورطون بالتسريب لوسائل الإعلام عن وايغاند بأنه شخص لا ينبغي الوثوق به، وأن ما يقوم به حاليا إنما هو من باب الثأر وخدمة لمصالحه الشخصية.

شركة التبغ كانت سعيدة بما يجري.. قرار نائب عام بعدم الخوض.. تكميم شبه كامل لوسائل الاعلام وتعتيم تام على أسماء المتورطين.. أجهزة اعلامية تعمل بأقصى طاقتها لتشويه سمعة وايغاند ومن يسانده.

وعاشت الشركة نشوة الانتصار لدرجة أسكرتها، حتى ظن المتورطون فيها أنهم فوق القانون، وأن ذواتهم مصونة ولن يمسهم أحد بسوء أو يؤثر على مخططاتهم.

.. لن نحرق عليكم ما جرى بعد ذلك من «مفاجآت» أدت في النهاية لأن ترفع الشركة يد الاستسلام، وأن تدفع تعويضا هائلا قيمته 246 مليار دولار، مع اعتذار رسمي للمواطنين عما اقترفته الشركة في حقهم، تبعتها موجة إقالات وإحالة للتقاعد لمجموعة كبيرة من الأشخاص، حيث تبين أن المتورطين كانوا أكثر من.. «شخصان»!
???

في أمريكا يسمونه «ويسل بلووَر»، أي الذي يطلق صافرة الانذار تحذيرا من فساد شهده بحكم منصبه، وعادة ما يتلقى هذا الشخص أكبر قدر من الحماية، ويتم أخذ ما لديه من معلومات ووثائق بأقصى درجات الاهتمام. ويصبح حديث وسائل الإعلام عن شجاعته في الكشف عن مواطن الفساد وتعرية المفسدين.
أما في جزر الأباطور فيسمونه.. «مثير فتنة»!
???
سمردحة: «بي. أو. تي.» هي اختصار «بوق ولا تخاف»!

د.طارق العلوي
أضف تعليقك

تعليقات  0