العصيان المدني والمثال الناجح (2 من 2)



ذكرنا في الجزء الأول من هذا المقال الشواهد التاريخية الناجحة للعصيان المدني، والتي من أوضحها بالنسبة لي هي حركة العصيان الكويتية ضد الاحتلال العراقي على الكويت، وهي حركة غير مسبوقة في تاريخ الكويت بل لفتت أنظار العالم، حيث وُصف من بقي بالكويت بالصامدين، إذ إضافة إلى عدم التعاون مع الاحتلال، قام أبناء الكويت بكافة الأعمال من تنظيف الشوارع إلى العمل في المخابز إلى إنشاء مدارس لأبناء الحي، إلى إزالة أسماء الشوارع كي لا يُستدل عليها إلى العمل في محطات الوقود وغيرها من المآثر البطولية المدنية.

لماذا نجحت حركات العصيان التاريخية بما فيها مثال الكويت؟ أو السؤال الأصح ما هي الشروط الضرورية لحركة عصيان مدني كي تعتبر ناجحة ومؤثرة؟ فلنأخذ مثالا على عصيان مدني في أحد السجون يتمثل بالإضراب الشامل عن الطعام احتجاجاً على قوانين السجن أو سوء المعاملة، فإذا كان هذا هو الهدف فيجب إذا أن يشترك في الحركة جميع السجناء، ومن دون اشتراك الغالبية على الأقل فسيضعف ويقل تأثيرها.

وهذا ينطبق على الإضراب العمالي المطلبي، فإن لم يحظ بإجماع أعضاء النقابة والعاملين، فلن يترك تأثيراً ولن يغيّر من الوضع القائم شيئاً، وهذا ينطبق كذلك على مقاطعة الانتخابات التي يمكن أن تكون حالات محدودة أو شاملة أو شبه شاملة، وغيرها من الأمثلة.

فمن الشروط الضرورية هو الإجماع كأساس للنجاح، إذ يقول غاندي في هذا الصدد: «إن اللاعنف الذي يستطيع فرد ما استخدامه لن يكون ذا فائدة تذكر للمجتمع، فالإنسان كائن اجتماعي» والأمر الآخر سلمية أو لا عنفية الحركة، كذلك الوحدة والإصرار على المطالب مهما تعرض أفراد الحركة إلى قمع وتضحيات، بالطبع هناك عصيان مدني في ظل احتلال لا شرعي وآخر في ظل الشرعية، ففي الأولى الهدف هو إنهاء الاحتلال وفي الثانية الهدف هو إصلاح أو تغيير ضمن النظام ذاته.

وأيضاً من ضمن الشروط توفر حد أدنى من التنظيم والقيادة، تأخذ بعين الاعتبار الطاقات الفعلية والكامنة لدى الجماهير، وهو ما يستلزم تحليلاً دقيقاً وواقعياً لمختلف جوانب الوضع القائم، بما فيها ميزان القوى بين المعارضة والسلطة وتحديد العوامل الذاتية والموضوعية على أن يكون هناك قبول لدى الجمهور، خاصة بوجود غالبية في المجتمع ترى نفسها متضررة من ممارسات السلطة، وألا تكون القوى السياسية والمجتمع منقسمة على نفسها.

فمثلاً إن أراد تنظيم سياسي ما أن يخرج في مظاهرة ضد السلطة أو قراراتها دون وجود سند جماهيري أو توافق سياسي، سيكون ذلك عملاً متطرفاً أو مغامراً كما تصفه الأدبيات السياسية الكلاسيكية، فالمزاجية والتهور قد شكلا أسباباً متكررة لفشل حركات العصيان المدني وغيرها من أشكال العمل الجماهيري، فإن كان النضال البرلماني قد يكون مسدود الأفق أحياناً فقد ينطبق ذلك على العصيان المدني ضمن ميزان قوى غير متكافئ، ودون دراسة وتحليل على أرض الواقع، فالعصيان المدني والمقاومة المدنية هي سلسلة من الأعمال والأنشطة الجماهيرية المبنية على تحليل واقعي تشل الدولة أو أحد مرافقها، مع ضرورة تماسكها الداخلي واستمرار زخم الحركة، إضافة إلى ضرورة دراسة مكونات القاعدة الاجتماعية التي تستند إليها السلطة ونقاط الضعف فيها، أما نقطة الضعف الأساسية في حركة العصيان فتكمن في عدم إيمان الجماهير بجدوى مواجهة السلطة.

كما تلعب الثقافة والوعي السائد والتراث الشعبي والموروث الاجتماعي والهوية، دوراً في الإجماع، ففي العصيان الكويتي أثناء الاحتلال كان ما يجمع الناس هو الهوية الكويتية وتراث وثقافة المجتمع.

فالعصيان المدني يعني أن المقاومة المدنية قد وصلت إلى طريق مسدود، ودخلت في مواجهة مفتوحة وشاملة مع السلطة القائمة، وأن الظرف موات من خلال التشخيص الواقعي، وتشير كثير من الأمثلة إلى فشل حركات العصيان اللاعنفية لسوء تقدير ملاءمة الظرف التاريخي ودراسة اللحظة المناسبة، وهو ما يحتاج إلى فكر علمي جدلي يتسم بدقة التحليل للواقع وليس الحماسة والاندفاع، واستيعاب مؤشرات اتجاهات الرأي العام ومدى استعدادها، وكذلك النجاح في تعبئة الرأي العام والتعاطف الخارجي، ككل حركات العصيان التي أصبحت مثالاً ناجحاً في الخبرة البشرية.

وليد الرجيب

osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0