مستقبل «داعش» و«الدولة»


"حلم" إنشاء دولة عقائدية، وفي هذه الحالة "دولة خلافة" لم تداعب أحلام القائمين على تنظيم "داعش" فحسب، فقد سبقهم إلى ذلك غيرهم. وقد سمعت ذات الخطاب بتفاصيل أكثر في أفغانستان والصومال وباكستان والخليج، والعراق ذاته.

وعلى افتراض جدية من فكر بالقيام بتلك الخطوة، فإن عليه أن يتعامل مع معطيات وإشكاليات تجعل تحقيق ذلك "الحلم" بعيد المنال.

في العلوم السياسية يطلق مصطلح "كيانات مشابهة للدول" حين تسيطر مجموعة مسلحة على رقعة جغرافية تابعة لدولة واحدة أو أكثر، وتعلن فيها قيام دولة. ومع الوقت بدأ ذاك المصطلح يأخذ شكلاً قانونياً خاصة مع استمرار بعض تلك "الكيانات" لسنوات طويلة. صحيح أن حالة "داعش" و"الدولة" مختلفة، لكنها حالة مختلفة دائماً.

تقنين تلك "الكيانات" دولياً، صار ضرورياً لتوفير الحماية للمدنيين الموجودين على تلك الرقعة الجغرافية. وقد تنتهي حالة ازدواجية السلطة تلك باتفاق سياسي، والاحتمالات في ذلك مفتوحة، إما تقاسم سلطة، أو استقلال، أو تحول إلى نظام فدرالي، وقد تبقى الحالة قائمة زمناً طويلاً. وقد تنتهي بحسم عسكري. والأمثلة على ذلك كثيرة، من يوغوسلافيا السابقة، إلى كولومبيا، إلى جنوب السودان، إلى الصومال، إلى بوليساريو إلى سريلانكا، إلى أفغانستان، إلى الكونغو وغيرها.

وقد حصرت في دراسة سابقة عدد تلك الكيانات بقرابة 53 كياناً، ذاب بعضها في كيان أكبر، أو تم القضاء عليها عسكرياً، أو حدثت انشقاقات داخلية دمرت الحركة أو "الكيان" بشكل نهائي وغير ذلك.

هناك إشكاليات تواجه "دولة الخلافة" المعلنة، أو أي دولة، تظهر فجأة على أساس طائفي أو عقائدي أو عرقي، وتربك وضع "الأمر الواقع". فلن يتاح لكيان جديد أن يصبح دولة بمجرد الإعلان عنها. فلابد من توافق إقليمي، وضمان عدم تهديد مصالح دول الجوار، وعدم التدخل بشؤونها الداخلية.

كما أن تضاريس غرب العراق وشماله سهلة الاختراق. وفي حالة انكشاف الجغرافيا، فإن استمرار الدولة الجديدة يحتاج إلى دعم إقليمي ودولي مباشر. ومن غير الواضح ما هي القوة الإقليمية التي ستقف مع "الدولة" الجديدة.

كذلك فإن العلاقة العدائية بين "دولة الخلافة" وبين التنظيمات الإسلامية الأخرى لا تحتاج إلى شرح، وهي حالة عدائية دخلت في حيز التصفية المسلحة سالت فيها الدماء، وكفر كل طرف الطرف الآخر. كما أن عدداً من دول المنطقة يعلن عن نفسه دولة إسلامية، مما سيحدث تناقضاً حتمياً.

كذلك فإن ظروف الظهور في حالة أزمة واحتراب إقليمي وفراغ سياسي وأمني هي ظروف استثنائية، ولا تكفي لاستحداث دولة جديدة. ومن غير المعروف نمط التعامل الدولي مع مشروع "الدولة" الجديدة، وهي إشكالية معقدة.

إعلان الدولة قرار سياسي، وليس قراراً دينياً، والانتقال من انسيابية "الثورة" وحرب العصابات إلى انضباطية "الدولة" ومسؤولياتها والتزاماتها مسافة وعرة لن يتم تجاوزها بالأمنيات والأحلام، ووسائل اتصال اجتماعي.

قد تكون "الدولة الإسلامية" فكرة وحلماً لدى البعض، إلا أنه كلما انطلق الحالمون في تأسيسها اضطروا إلى مزيد من الانكماش، والانسحاب إلى ما هو أصغر بكثير، لتتبدد الفكرة تحت شمس أغسطس الحارقة.
أضف تعليقك

تعليقات  0