إدمان الأجهزة الإلكترونية يمهّد لأمراض خطيرة




يقضي كثيرون ساعات طويلة وهم يزاولون نشاطاً حديثاً نسبياً يتمثل في استخدام الأجهزة اللوحية والمحمولة، حتى أن بعضهم يستخدمها في شكل متواصل أحياناً. وعلى كل حال، صار للجميع تقريباً صلة ما بهذه الأجهزة وبالتقنيات المرتبطة بها. بل يمكن القول إنها أضحت مسيطرة في شكل أو آخر على مخترعها، ربما لأنه بشري محكوم بجسد هالك لا محالة بينما هي لا.

وفي هذا السياق، كشفت دراسات أميركية نشرت في مواقع طبية متعددة أخيراً أن الوميض الناتج من المستويات العالية والمتباينة من الإضاءة في الرسوم المتحرّكة الموجودة في ألعاب الأجهزة اللوحية والمحمولة، يتسبّب في حدوث نوبات من الصرع لدى الأطفال، محذرين من الاستخدام المستمر والمتزايد لألعاب الكمبيوتر الاهتزازية من قبل الأطفال، لاحتمال ارتباطه بالإصابة بمرض ارتعاش الأذرع.

وأشارت دراسات إلى أن الإدمان المرضي على ألعاب الفيديو قد يسبب اضطرابات في النوم وفشلاً على صعيد الحياة الخاصة أو الدراسة، وكسلاً وخمولاً وعزلة اجتماعية لدى الأطفال، إضافة إلى التوتر الإجتماعي وفقدان المقدرة على التفكير الحر وانحسار العزيمة والإرادة لدى الفرد.

وجاء في دراسة أنجزها باحثون في جامعة «ساني» لطب العيون في نيويورك، أن الأشخاص الذين يقرأون الرسائل ويتصفحون الإنترنت على هواتفهم النقالة يميلون إلى تقريب الأجهزة من أعينهم أكثر من الكتب والصحف، ما يجبر العين على العمل في شكل متعب أكثر من العادة.

وأكد الباحث مارك روزنفيلد المسؤول عن الدراسة، إن «حقيقة حمل الأشخاص للأجهزة بمسافة قريبة من العين يجعلها تعمل في شكل متعب أكثر للتركيز على الأشياء المكتوبة».

أما نوعية الألعاب التي يزاولها الأطفال فتختلف بين ألعاب الصراعات والحروب والذكاء والتركيب وغيرها. وذكرت أبحاث علمية أنه على رغم الفوائد التي تتضمنها بعض الألعاب، تبقى سلبياتها أكثر من إيجابياتها لأن معظم الألعاب المستخدمة من قبل الأطفال والمراهقين ذات مضامين سلبية ولها آثار عكسية جداً فيهم، خصوصاً في مستوى الصحة.

وحذّر خبراء جامعة ساني من أن تعوّد الأطفال على استخدام أجهزة الكمبيوتر والإدمان عليها في الدراسة واللعب، ربما يعرّضهم إلى أخطار وإصابات قد تنتهي بإعاقات أبرزها إصابات الرقبة والظهر.



ساعتان في اليوم

وأكد خبراء أن المشكلة تكمن في أن التكنولوجيا حديثة لدرجة تجعل الباحثين غير قادرين على معرفة الضرر الذي تحدثه على المدى الطويل. وجاء في المبادئ التوجيهية الجديدة الصادرة عن الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال أنه لا ينبغي أن يسمح للأطفال بقضاء أكثر من ساعتين في اليوم أمام الشاشة، فيما لا يجب أن يقضي الأطفال تحت سن الثانية أي وقت أمام الشاشة. ووفق المبادئ ذاتها، يجب أن تبقى أجهزة التلفزيون والكمبيوتر خارج غرفة الطفل.

وذكرت أبحاث نشرتها الأكاديمية أن الشباب يواجهون «قنبلة صحية موقوتة» في ما يتعلّق بآلام الرقبة والظهر المرتبطة باستخدام أجهزة الكمبيوتر وألعاب الفيديو والهواتف الذكية. وأظهرت هذه الأبحاث أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الأطفال في المدارس الابتدائية وثلثي طلاب المدارس الثانوية في الولايات المتحدة تحدثوا عن آلام في الظهر أو الرقبة خلال العام الماضي.

ويقول الدكتور خالد النمر استشاري وأستاذ أمراض القلب وقسطرة الشرايين والتصوير النووي والطبقي للقلب في مستشفى الأمن العام بالرياض، إن الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية «باتت جزءاً لا يتجزء من حياة الإنسان، وفي واقعنا الحالي أصبح استخدامها في عمر مبكر جداً»، مبيّناً أن «هناك طيفاً للموجات الكهرومغناطيسية من البث التلفزيوني إلى الإشعاع النووي، وتنقسم علمياً إلى مؤينة (بكسر الياء) مثل الأسلحة النووية والنظائر المشعة، وغير مؤينة مثل الميكروويف والراديو والتلفزيون والأجهزة الذكية». ويوضح أن «الموجات غير المؤينه (الآمنة) لا تنتج ايونات من الأجسام مثل الميكروويف والأجهزة المحمولة، ولم يثبت علمياً أنها تسبب السرطان أو الباركنسون أو أمراض الكلى أو أمراض الأعضاء التناسلية أو العينين، كما أفادت منظمة الصحة العالمية في عام 2010».

ويضيف النمر أن «امتصاص الأجسام موجات الأجهزة الذكية أقل من 5 في المئة من امتصاص موجات الراديو والتلفزيون وأمواج الراديو التي تعرّضت لها البشرية مئات السنين، ولم يكن هناك رابط مباشر مع الأمراض ومن ضمنها السرطان». ويتابع: «بسبب الوضعية التي يتخذها الجسم فترة طويلة خلال استخدام الأجهزة الإلكترونية، يمكن حدوث آلام في فقرات الرقبة والظهر. وبالنسبة للعين، حجم الأجهزة صغير لذا يكون الجهد على العين كبيراً جداً، لذا تجهد عضلات البؤبؤ ما يسبب ضعفاً للنظر على المدى البعيد». ويؤكد أن «عدم إغلاق العين فتره طويلة يسبب جفاف القرنية خصوصاً أن الأشعة الضوئية المنبعثة من الأجهزة الذكية تصدر منها وليست منعكسة عنها كما في الكتاب، لذا يُنصح بعدم الاستمرار في النظر إليها أكثر من 30 دقيقة، من دون فاصل زمني يسرح النظر خلاله بعيداً».



«إدمان نفسي»

وعلى مستوى الإدمان النفسي، يقول النمر: «تتولّد لدينا مشاعر سلبية إذا فقدنا الجهاز، مثل الغضب، الانعزال والاكتئاب، إذ أصبح الشخص يعيش في عالم افتراضي، ما يؤدي إلى فقدان المهارات الاجتماعية للشباب والأزواج والزوجات. لم يعد الشخص يحتك بوالديه وأقاربه بل مع أصحابه الافتراضيين وبالتالي تغيّرت العلاقات الاجتماعية إلى علاقات إلكترونية بحتة أحياناً».

وتقول الاختصاصية النفسية في عيادات «ميدي كير» في الرياض منيرة بحار أن «الاستعمال المتزايد للتكنولوجيا قد يؤثر ويزيد من نسبة التوحّد والانعزالية وقلة التواصل مع الناس، ما يجعل الشخص متقوقعاً داخل عالمه الافتراضي. وقد تتطور حاله وتصل إلى الإدمان»، مؤكدة أن ذلك «يسبب التقصير على المستوى الأسري والاجتماعي ويضعف مهارات التواصل الاجتماعي نتيجة قلة الاحتكاك والتفاعل المجتمعي».

وتضيف بحار أن «هناك دراسات أثبتت أن الإدمان يؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب ويساهم في الانطواء الفكري»، مشيرة إلى أن «العلاج النفسي بمختلف مناهجه التحليلية أو السلوكية المعرفية، يلعب دوراً كبيراً في القضاء على إدمان التقنية كما غيره من الأمراض النفسية».

وتتابع أن «تأثير التكنولوجيا في الأطفال قد يصل إلى الصرع وأمراض الأعصاب، كما قد يكسبهم عدوانية وعنفاً بأثر من مشاهدة الألعاب الإلكترونية العنيفة»، مؤكدة أن «بقاء الطفل ساعات متواصلة أمام الأجهزة اللوحية أمر غير طبيعي بالنسبة للأطفال لحاجتهم إلى الحركة المستمرة، التي يسبب غيابها مشكلات كثيرة منها زيادة الوزن وإجهاد العين».

وتحذّر بحار من أن «المجرمين قد يستخدمون هذه الأجهزة للتلاعب بعقل الأطفال وتعويدهم على أمور مثل المخدرات والكحول أو حتى جرائم جنسية»، لافتة إلى أن «الإنترنت تُعد البوابة السحرية للمعلومات، والطفل بفضوله الطبيعي سيحاول التعرّف إلى المعلومات المختلفة التي قد يكون لها تأثير سلبي في غياب الرقابة أو التوجيه الصحيح».



الحركة لنمو سليم

وتقول المعالجة الوظيفية في مركز «بيج سكاي للعلاج الطبيعي» ليندسي مازرولي: «إذا ظل الأطفال يســتخدمون الآيباد باستمرار من دون القيام بالنشاطات التي تعتمد على الورقة والقلم، فإن تلك العضلات ستصبح أضعف. ونرى الآن أطفالاً كثراً يشكون من بعض التأخر الحركي، إلى جانب ضعف العضلات في بعض المناطق».

وتؤكد اختصاصية العلاج الطبيعي وطب الأطفال والصحة المهنية في جامعة ليدز ميتروبوليتان ببريطانيا لورنا تايلور، أن «لأنماط الحياة الحديثة وزيادة استخدام التكنولوجيا آثاراً ضارة في صحة عضلات أطفالنا وعظامهم، وإذا لم يتم علاج ذلك في المدرسة والمنزل ستكون له آثار بعيدة المدى فيهم وفي مجتمعنا في المستقبل». وتلفت إلى ضرورة «غرس العادات السليمة، بحيث يشعر الأطفال بالراحة ويكونون قادرين على التركيز واستغلال إمكاناتهم بالكامل والقيام بالعمل لئلا يصبحوا مقيّدين بإعاقة وآلام يمكن الوقاية منها».

وعموماً، لا يوصي الخبراء بمنع أجهزة آيباد تماماً عن الطفل، بل بتحديد أوقات استخدامها مع مراقبة المحتوى الذي يصل إليه الطفل عبرها. وعلى الأهل، كما يظهر من نصائح الاختصاصيين، الحرص على أن يمارس أطفالهم نشاطات جسدية مثل المشي والجري وركوب الدراجة، لأنها تساعد أجسامهم على النمو في شكل سليم.
أضف تعليقك

تعليقات  0