ما قل ودل: الإضراب عن العمل يعكس غياب الثقافة به



التوقف عن العمل للمطالبة بزيادة الرواتب أصبح ظاهرة تستحق الدراسة من علماء النفس والاجتماع، فالكويت لم تكن أبداً إلا بارة بأبنائها حاضنة لهم، توفر لهم كل أسباب العيش الكريم إلى حد الرفاهية، وأستعيد في هذا ما قاله أحد القامات العريضة في الحفل السياسي تحت قبة البرلمان، لقد قال محمد الصقر "إن الدولة تكفل المواطن من المهد إلى اللحد".

التأمينات الاجتماعية كانت الرائدة
في قيمة العمل

نعم أصبح التوقف عن العمل ظاهرة بعد أن انخرط فيها نفر من العاملين في مؤسسة التأمينات الاجتماعية، الذين كتبت عنهم وعن مدى إحساسهم بقيمة العمل لخدمة المواطن، مقالاً على هذه الصفحة يوم 3 أغسطس سنة 2007، قلت فيه: "والإحساس بقيمة الوقت بات مفتقداً في كثير من الأجهزة الحكومية، والإحصاءات تقول إن معدل ما يقضيه الموظف في العمل هو عدد من الدقائق في اليوم الواحد، وإن هناك أجهزة تقدم خدماتها للمواطنين، في شؤون الهجرة والجوازات وفي مؤسسة التأمينات الاجتماعية وغيرها، ويصارع العاملون فيها الوقت ويكابدون التعب والإرهاق، لإحساسهم أن للعمل قيمة، وأن قيمته في خدمة المواطن".
وأعترف أنني في هذا المقال توجست خوفاً على هذه الفئة، من المعاملة غير المتكافئة للعاملين على مستوى الدولة، بما يرونه من المزايا التي تغدق على العاملين في الأجهزة الأخرى، وهو ما جاء في مقالي بالحرف الواحد: "ولكن الخشية على هؤلاء من أن يكون ذلك عامل نحر في جهودهم، لأن غيرهم في أجهزة أخرى يعافون الجهد، ومع ذلك يحصلون على كل ميزات الوظيفة وحوافزها".
وطالبت في هذا المقال المسؤولين أن يضعوا المعايير اللازمة والضرورية لربط الأجر والحوافز والعلاوات والترقيات وغيرها من مزايا وامتيازات بالإنتاج والإجادة والدقة والإتقان ليتنامى الإدراك بقيمته وأهميته ولزومه.

ثقافة العمل والرعيل الأول

وعندما نتحدث عن ثقافة العمل، التي يغيبها الإضراب تماما عن العمل في المجتمعات التي تشيع فيها هذه الظاهرة، لا ننسى المعلم الأول لقيمة العمل واحترامه، وهو الرعيل الأول، الذي غاص في البحار بحثاً عن ثرواتها، وقد أحرقت الشمس محياه وحفر الجد معالمه في أساريره، عندما لم تكن قد ظهرت قطرة نفط واحدة في هذه البلاد، والنفط هو عبقرية المكان، ولكن يبقى الإنسان القادر على التفكير والخلق والإبداع، ليعوض بقدراته ما ينضب من مخزون النفط، ولينمي بها ما بقي من هذا المخزون، ليصبح النفط داعماً لنشاطه وإبداعه، بدلاً من أن يكون عامل نحر يأكل الجد والصبر والمثابرة التي كان عليها الرعيل الأول، فتشيع آفات التواكل والاعتماد الكامل على الدولة في كل متطلبات الحياة.
ولهذا حرص الرعيل الأول على أن يجسدوا في دستور الكويت، ذلك النهر العظيم الذي تروي منه الكويت ظمأها (قيم العمل) يوماً بعد يوم.

قيمة العمل في دستور الكويت

وقد جسد دستور الكويت روافد هذه الثقافة فيما نص عليه من وظيفة اجتماعية للعمل، ومن أن العمل هو أحد المقومات الأساسية لكيان الدولة الاجتماعي (مادة 16)، وأن هدفه الخير العام (مادة41).
ومن روافد هذه الثقافة ما نص عليه الدستور من قيمة إنسانية للعمل في قوله "إن العمل واجب على كل مواطن تقتضيه الكرامة" (مادة 42)، وأنه لا يجوز فرض عمل إجباري على أحد إلا في الأحوال التي يعينها القانون (مادة 42)، فضلا عن القيمة الإنسانية للعمل التي تجلّت في ما نص عليه من إسهام الكويت في ركب الحضارة الإنسانية (مادة 12)، وهو ما لا يتحقق إلا بالعلم والعمل الجاد المبدع، فالثقافة في مفهومها العام هي مجموع نتاج العمل الإنساني وإبداعاته من فكر وعلم وأدب وفن وتنمية.
إن ثقافة العمل هي التي جعلت من اليابان صرحاً صناعياً شامخا في المجتمع الدولي، وأحد النمور الصناعية السبعة فيه.
وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.
أضف تعليقك

تعليقات  0