الصراع «الشيوخي» أساس البلاء


زرت بلادي الصغيرة التائهة عدة أيام، حيث إنني في سنة تفرغ علمي، فزادني توهانها توهاناً، وزادتني حيرتها حيرة، ولم أعد أعرف من ضد من، ومن مع من، فالأمور تتبدل صعوداً ونزولاً أسرع من البورصة.

وحيث إن الصراع في المجتمعات أمر طبيعي، فإن الإطار الذي يدور فيه الصراع محكوم بإطار حقوقي واضح، وبالذات في مجتمع يفترض فيه أنه ديمقراطي. ولذلك فإن حرية التعبير والتجمع والتنظيم السلمي حقوق ثابتة، ولا يحق لسلطة أن تسلبها، والترخيص للمسيرات يجب أن يكون متاحاً، ضمن الأطر المتعارف عليها، والتي ليس منها الموقف السياسي، كما أن استمرار الحبس الاحتياطي المطلق بسبب أو بدون سبب، وتحوله إلى عقوبة، في أجواء الاحتقان يؤديان إلى صب الزيت على النار.

هذا في الشق الحقوقي، أما في الجانب السياسي فنحن منذ سنوات نعيش أزمة ممتدة، مفتوحة حتى إشعار آخر، أسميتها في دراسة أخيرة لي "سياسة الأزمة"، وللأسف فإن الأزمات ستتكرر، بسبب أو بدون سبب، حقيقية كانت أم مفتعلة. بل صار من السهولة افتعال الأزمة، من أشخاص عنصريين أو طائفيين، أو عاملين لحساب أصحاب نفوذ، أو طامحين لموقع، يظهر بعضهم ويملأون الأرض صراخاً وعويلاً، وقد تتبدل مواقفهم، ويقسمون المجتمع، وبين عشية وضحاها، يختفون ولا تسمع لهم أثراً. ولعل جردة سريعة للوجوه توضح ذلك.

الصراع بين الشيوخ ظاهرة مستمرة منذ أكثر من قرن من الزمان، إلا أنها في أغلب الأحوال ظلت ظاهرة فرعية، في حدود ترتيب بيت الحكم، يتم أحياناً إقحام القوى الفاعلة فيها ولكن بحدود، إلا أن المستجد في هذه الحقبة هو تحول الصراع بين الشيوخ المتنفذين إلى صراع أساسي يسيطر على المشهد السياسي، خصصت له أموال طائلة، ومنابر إعلامية، لإيهام الناس بأنه صراع مجتمعي، وبالتالي الدفع لإشراك القوى الفاعلة في المجتمع في صراعه الفرعي، حتى كاد يغطي على الصراع الطبيعي داخل المجتمع.

فإن أريد لهذا المجتمع أن يستقر، وأن يبدأ فيه الصراع الطبيعي، حول العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، فلا بد من تحييد "الصراع الشيوخي"، والذي ينجرف معه كثيرون ظناً منهم أن الإصلاح سيأتي عن هذا الطريق، وهو طريق لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضياع والتدهور.

الرهان على صراع الشيوخ لتحقيق تقدم، رهان على سراب، ورهان خاسر، وتحويله إلى صراع مجتمعي مفتوح سيؤدي إلى خسارة الجميع دون استثناء.

حيث إنني سأقوم برحلة طويلة في بلاد قد تتقطع فيها السبل، ويتحشرج فيها الإنترنت، فقد تتقطع المقالات كذلك، فأرجو المعذرة.
أضف تعليقك

تعليقات  0