العقاب بالجنسية!



بيان مجلس الوزراء الذي أفصح عن استخدام الجنسية كعصا جديدة للعقاب في مواجهة الاحتجاجات والمظاهرات لا يشكل تهديداً خطيراً للمواطنين فحسب، بل يهدّد أصل مفهوم المواطنة ويضع البلد بمؤسساته وقوانينه في دائرة المخاطرة، دون أن يكون لمثل هذه المجازفة الأثر المباشر في الخروج من أزمة الاحتقان السياسي، وأوضح دليل على ذلك استمرار الاعتصامات والمظاهرات لفئات كبيرة من البدون وهم من عديمي الجنسية أساساً، وبالرغم من مواجهتهم أيضاً بالعنف الأمني ميدانياً ثم الملاحقة والاعتقال والمحاكمة.

الجنسية الكويتية هي وثيقة مواطنة اكتسبتها الأغلبية العظمى من الكويتيين بقوة القانون وبصفة أصلية باعتبارهم امتداداً لآبائهم وأجدادهم ممن توطنوا بالديرة قبل بناء السور، وهذا النوع من المواطنة لا يمكن إلغاؤه وفق الحصانة الدستورية التي تقتضي عدم جواز إبعاد الكويتي من بلده، وفي حالة خرق المواطن للقانون أو ارتكابه أي جريمة مدانة بحكم القضاء تتم معاقبته في حدود نصوص القانون، وإن وصلت إلى حد الإعدام كما هي الحال في الجرائم الجنائية الكبيرة.

فمعيار الولاء والطاعة والخروج على القانون يحدده القضاء ولا يمكن للسلطة التنفيذية أن تتدخل لوضع شروطها الخاصة لتميّز بين الموالين لسياساتها ومن يعارضون ذلك ضمن مسلّمات الرأي والرأي الآخر، وإلا كان الأجدر تطبيق هذا المبدأ على كل أشكال المعارضة منذ عام 1921 وعلى امتداد عهد الاستقلال حتى يومنا الحاضر.

أما إذا كان القصد من فتح ملفات التجنيس، سواء التأسيس أو التجنّس، لقناعة الحكومة بوجود شبهات التدليس والتزوير أو عدم الاستحقاق، فهذا الإجراء من شأنه كشف الفساد في أعلى المؤسسات الحكومية وتحديداً فيما يخص القرارات السيادية، وفي مثل هذه الحالات يجب أن توضح الحكومة من الذي منح الجنسية الكويتية لغير مستحقيها والدوافع السياسية أو غيرها وراء ذلك؟ وهل تم صرف شرف المواطنة بموجب صفقات الولاء السياسي أو تبعاً لأسس ومعايير موضوعية وفنية؟ وإذا كان الجواب يتعلق بالصفقات السياسية فإن مسؤولية من اقترف هذا الجرم يفترض أن تكون مضاعفة، ويجب أن يفضح على رؤوس الأشهاد قبل المجنّس المزور!

الأحداث الأخيرة التي أخذت طابع العنف ولجأ البعض فيها إلى أسلوب التخريب المتعمّد واستهداف الممتلكات العامة والخاصة لا شك أنها تصعيد خطير، ومهما كانت الدوافع والمبررات وراء هذا التصعيد، ومنها العناد الحكومي، فإنها غير مقبولة على الإطلاق، فالاحتجاجات والمسيرات والندوات التي استمرت خلال السنوات الخمس الأخيرة يفترض أن تدور عناوينها الرئيسية حول الفساد والمفسدين، ومن يسعون إلى تخريب البلد ونهب ثرواته والانتفاع الشخصي، ولا يميّز من يسعى إلى تخريب الطرق وتدمير المرافق العامة وإتلاف الدوريات وغيرها من مظاهر العنف عن بقية المخربين الكبار سوى حجم التخريب ومستواه الذي يستطيع أن يمارسه، ولذلك فإن حل هذه المشكلة لا يمكن أن يتحقق في سحب "

الجناسي" إنما بالقصاص المستحق لكل مخرب أياً كان موقفه، ومهما بلغ حجمه الاجتماعي والسياسي، والحل الجذري للخروج من الاحتقان الممتد والآخذ في التوسع يكون في تجفيف منابع الفساد وليس في فساد أكبر وأخطر!
أضف تعليقك

تعليقات  0