لعبة «شخصان»!



دخل عامل «الكانتين» الى غرفة التحرير حاملا العصائر، توقيته كان سليما لأني كنت أتلفت باحثا عن شيء أشربه.
طاولة التحرير كانت عامرة بأنواع المشاوي، وبينما كان بوخالد (وليد الجاسم) يشرح الفرق بين أشهر المطاعم اللبنانية، كان الشيخ خليفة «يباشر» الضيوف بقطعة كباب.. أو كفتة.

علق أحد الحضور قائلا: «توقعت، وأنا أدخل عليكم الغرفة، أني سأجد نفسي بما يشبه مجلس عزاء.. خصوصا ان قرار اغلاق الصحيفة لم يجف حبره»؟!

فرد الشيخ خليفة مشيرا الي: «هذا اللي صكوا جريدتنا بسببه.. ها دكتور، قطعة ثانية من الكباب؟».

ما لم يعلمه بعض الحضور ان الشيخ خليفة كان قد أخبرني قبلها بأسابيع أنه تم اتخاذ قرار اغلاق «الوطن» و«عالم اليوم» دون بقية الصحف.. لكنها مسألة وقت.. واختيار العذر المناسب!

ولذا عندما جاء كتاب الاعلام بالاغلاق، متحججا بمقال كتبته، وبآخر للكاتبة الثورية منى العياف، وبمقابلة للنائب السابق علي الراشد، لم نجد، أنا وأسرة التحرير، أفضل من الجلوس الى وليمة عشاء للتندر حول بُعد نظر سمو رئيس مجلس الوزراء، وتابعه وزير الاعلام!

سرحت قليلا وأنا استرجع في ذاكرتي صورة شخصين في دولة أوروبية، يرتديان القميص والبنطال، ويقفان مبتسمين الى جانب بعضهما، وملامح الطيبة بادية على وجهيهما.. ولو لم تعرفهما لظننت أحدهما مدرس رياضيات والآخر للجغرافيا.
ومن يدري، فلربما كانت وظيفة أحدهما ترتيب «خريطة» البلد، والآخر.. عليه «الحساب»!
???

في البداية لابد من التأكيد على أني مواطن صالح أحب وطني، وأثق ثقة عمياء بأن «سحب الجناسي» هو تطبيق الحكومة للقانون على الجميع.. بمسطرة واحدة.

لكن مشكلتي ان إبليس ساعات يختار التوقيت غير المناسب.. ليدخل الوسواس في نفسي!

أكون جالسا لمتابعة مسلسل تلفزيوني، فاذا بإبليس يدخل ويجلس على «الكنبة» بجانبي، متظاهرا بمتابعة المسلسل.وبعد برهة، يومئ برأسه ناحيتي متسائلا: «هذا الذي سحبوا جنسيته بحجة الادلاء بمعلومات كاذبة، ألم يكن ملفه لديهم منذ سنوات، ويعرفون أدق تفاصيل نسبه وعائلته؟.. ألم يكن نائبا في المجلس تحت أعينهم؟.. ما الذي تغير الآن وجعل الجماعة يكتشفون «فجأة» ان بياناته مزورة؟.. أم هي معلومات «سرية للغاية» سربتها مخابرات دولة عظمى للكويت عنه؟!».

أتعوذ من إبليس وأحاول ان أتابع المسلسل، لكنه يعود فيكمل: «والثاني قالوا عنه «إخلال بمصالح الدولة العليا»، طيب.. اذا الرجل خطر على البلد، فلماذا يتركونه حرا طليقا؟.. ألا يخافون ان يعبث بأمن البلد؟».

أجبته متذاكيا: «هم سحبوا جنسيته كي يغلقوا القناة». فنظر إلي بنفس نظرة ذلك الولد «المتبتب» الذي سرق اللقيمات وقال لي: «من صجك؟!.. ان القانون يتيح للحكومة اغلاق القناة والجريدة وسحب ترخيصهما، بحجة «مصالح الدولة العليا»، دون حاجة لسحب جنسية أحد»؟!

سألته: «اذن لماذا، يا أبا العرّيف، سحبوا جنسيته»؟ فأخذ إبليس نفسا عميقا من السيجار في يده وأجاب: «يريدون ان يبعثوا برسالة لخصمهم»!
???
مجموعة من الشباب، أخذتهم الحمية، وهم يسمعون من أهاليهم عن التعسف في سجن أحد رموز المعارضة، فقاموا ببعض أعمال الشغب والتكسير تعبيرا عن رفضهم لقرار النيابة.

الى ذلك والأمر طبيعي ويمكن حدوثه في أكثر دول العالم تحضرا ومدنية.ولن يكون مستغربا ان تقوم الجهات الأمنية بأخذ تعهد على ولي الأمر، أو إلزامه بدفع غرامات، أو ربما، في أسوأ الحالات، سجن بعض أولئك الشباب.

لكن الذي حدث، ان هناك من أجرى «الحسابات» اللازمة، وضبّط «الخريطة» السياسية، بحيث يصبح المراهق الذي يكسر واجهة مطعم وجبات سريعة مجرما سياسيا، يسعى لـ«الإخلال بمصالح الدولة العليا»، ويستحق سحب جنسيته!
لماذا؟.. لأنهم يريدون ان يغرسوا في عقول الشباب ان «جبيلهم» ليس المخفر أو عريف الشرطة، كما يُفترض، وانما «جبيلهم» هو الدولة!

.. ويبقى المرزوق فينا من له قريب يضبط له «خريطة» مستقبله، وعنده حليف يتكفل بدفع.. «الحساب»!.

د
أضف تعليقك

تعليقات  0