الأمة ماتت.. وغزة تنبض بالحياة


ينبغي أن توضع الحالة العامة للأمة العربية والإسلامية في سياقها الطبيعي حتى نرى بشكل واقعي ما يحدث اليوم من إبادة جماعية وجرائم حرب ترتكبها إسرائيل، وهي التي لم يكن بمقدورها أن تقوم بكل ذلك، لولا يقينها أن الأمتين العربية والإسلامية في حالة موت سريري منذ ثلاثة عقود من الزمان، فقد صارت أولوية كل دولة منها هي انشغال نظامها بتعزيز نفوذه أو تكوين ثرواته أو تأكيد عزلته، ولم تعد قضايا الأمة من أولوياته، فتسلح دولنا غايته قمع الشعوب وبناء تحالفات دولية تعزز النظام، وشراء التكنولوجيا كان مقصداً لمراقبة الشعب والتجسس عليه أو تمكين الدول المالكة لتقنياته من تعقب دولنا وشعوبنا بلا ضمانات أو حماية.

وقد تمكن الغرب ببرمجة منهجية حاذقة أن يصرف دولنا وأنظمتها عن الانشغال بقضايا الأمة من خلال تلك البرمجة، وقد بدأ مع أواخر السبعينات والثمانينات من أن يدخلنا في دوامة السلام الوهمي والمزعوم مع الكيان الصهيوني، فتم توقيع اتفاقية كامب ديفيد وأخذت الدول العربية واحدة تلو الأخرى تهرول باتجاه ذلك السلام، فتتالت الاتفاقيات وفتحت السفارات ونشط فكر التطبيع من أجل تمييع وتضييع قضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى، فكانت المعضلة ضرورة تصفية رموز ومنظمات المقاومة وتحرير فلسطين، فترك لإسرائيل التفرد بالفلسطينيين، وتم قتلهم في لبنان وإجلاؤهم إلى تونس، وتكررت اجتياحات ومجازر متعددة لإخماد انتفاضات إرادة الحياة لدى الشعب الفلسطيني، وقتل الشعب الفلسطيني بأبشع صور الإبادة الإجرامية في الضفة والقدس وغزة، وآخرها ما شهدناه هذه الأيام. ومنذ مطلع يوليو 2014، وثبت أن وجود سلطة فلسطينية تهيمن عليها دولة الصهاينة يعني ذبحا بطيئا للفلسطينيين وللقضية، كما كانت وسيلة لإشباع طموح السياسيين بمنحهم ألقاب رؤساء دول، ورؤساء مجالس وزراء ووزراء، لكن ذلك هو ثمن اجتثاث فكر المقاومة والعودة لفلسطين محررة، فكانت فكرة الدولتين واتفاق أوسلو ذرا للرماد بالعيون، ولتبرير تخلي الأمتين العربية والإسلامية عن فلسطين، وقد تم وها نحن نعايش نتائجه اليوم وبكل أسف.

وقد أدخلنا الغرب في دوامة فكر الإرهاب ومكافحته، وقد حملت الأمتان لواءه فسنت تشريعاته وانضمت لاتفاقاته. رغم أن معظمه موجه للعمود الفقري للأمتين، وهو الإسلام، إذ صار الإرهاب بمفهوم الغرب صنوا له مع الأسف الشديد، فاستغله عدد من الأنظمة لتصفية خصومها وتبرير عجزها وفشلها، وقد أفرز ذلك مجاميع متطرفة داخل كل دولة بسبب انجرافها ورعونتها، مما ولد جماعات متطرفة حقيقية صنعها الغرب، وآخرها «داعش» التي تسيء للإسلام.

وأخيرا نجح الغرب أن يجرعنا ترتيباته لشرق أوسط جديد، ووظف من أجله «ربيعنا المزعوم» لاستكمال تمزيق دولنا لكيانات طائفية يرعب بعضها بعضا، تحقيقا لأمن الكيان الصهيوني، وتفرده للقضاء على ما تبقى من المقاومة في غزة الذي جاء نبضها ليؤكد إمكان بعث الحياة في الأمة.. وآمل ألا يكون فات الأوان.




أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0