حول التصدي لـ«داعش» وإخوانه


تمر منطقتنا كما سبق أن ذكرنا بمرحلة انتقالية معقدة وصعبة، ومخاض عسير لن ينجو من آثارهما السلبية إلا المجتمعات التي لديها أسس متينة وراسخة لدولة دستور ومؤسسات وعدالة اجتماعية وسيادة قانون، أما "الكيانات" التي تقوم على أسس هشة، وتتراجع فيها مقومات الدولة وقيم المواطنة الدستورية لمصلحة قيم متخلفة تنتمي إلى مرحلة ما قبل الدولة الحديثة فمن المرجح جداً تفككها؛ ليصبح مصيرها في مهب الريح، لا سيما مع الحديث المتواتر الذي سبق أن روجته أميركا عن شرق أوسط جديد يتكون في الغالب من دول صغيرة طائفية وعرقية وإثنية مفككة ومتناحرة يسهل التحكم فيها.

والأمثلة أمامنا ما زالت حية (العراق أيام صدام وما بعده، سورية الأسد، ليبيا أيام القذافي وما بعدها، واليمن أثناء حكم علي صالح والآن) فقد تفككت بعض هذه الكيانات التي كانت تسمى دولا، وبعضها الآخر في طريقه إلى التفكك حالما يغيب "الزعيم الأوحد"، حيث عادت الصراعات البدائية المتوحشة التي لا يحكمها منطق الدولة ولا روح العصر، وذلك بعد أن قضى "الزعيم الضرورة" الطاغية المُستبد وحاشيته الفاسدة والمُفسدة على أركان الدولة ومؤسساتها، فأعادوها قروناً سحيقة للوراء بعد أن حولوها إلى عزبة أو ملكية خاصة ومغلقة يتصرفون فيها كما يحلو لهم.

لقد جرى ذلك من خلال تفتيت المجتمع وشرذمته وإعادة الصراعات بين مكوناته الاجتماعية والدينية والعرقية والإثنية؛ لما كانت عليه قبل نشوء الدولة الحديثة، ثم تكميم الأفواه المعارضة ومطاردة الأفكار الجديدة وتخريب المناهج التعليمية والاستخدام السياسي للدين، وإغلاق أي منابر تنويرية أو عدم السماح بوجودها،

وهنا تحديداً بدأت تتكون البيئة الخصبة للأفكار المتطرفة، وهي بيئة الاستبداد والفساد السياسي، حيث فُتح المجال واسعاً للتنظيمات التي تحمل التوجهات الدينية المتشددة والمغلقة، التي لا تؤمن بالدولة الوطنية (ليس هناك خلاف كبير في هذا الجانب بين التنظيمات السياسية التي تقوم على أسس دينية، حيث إن الخلاف بينها ينحصر عادة في بعض التفاصيل أي أنه خلاف في الدرجة وليس في النوع)، حيث أصبحت تنشر أفكارها وتحظى بقبول شعبي، في حين تم تهميش القوى المدنيّة الديمقراطية وإقصاؤها في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة الفاعلة التي تحمي المواطنين وتصون حقوقهم.

من هذا المنطلق فإن الوقوف في وجه الخطر الداهم لـ"داعش" وإخوانه (وهم كُثر بالمناسبة وبمسميات مختلفة بعضها مُضلل) يتطلب أولا وقبل كل شيء عدم توفير البيئة الخصبة التي تنمو فيها التنظيمات الدينية المتطرفة، ويتكاثر فيها دعاة الطائفية وتجارها،

فالاستعداد الأمني والعسكري غير كاف رغم أهميته القصوى ما دامت البيئة جاهزة لتفريغ "دواعش" جديدة. المطلوب هنا هو ترسيخ أسس الدولة الدستورية العصرية التي تقوم على العمل المؤسسي لا الفردي، وتحترم المواطنة الدستورية باعتبارها حقاً إنسانياً أصيلاً لا يخضع للتقلبات السياسية، ثم الانفتاح الثقافي والحضاري على العالم من خلال تطوير المناهج التعليمية ورفع سقف الحريات العامة وبالذات الحرية الفكرية وحرية النشاط السياسي القائم على أسس وبرامج مدنيّة ديمقراطية وحرية الإعلام؛ ليتماشى مع متطلبات العصر وروحه.
أضف تعليقك

تعليقات  0