الإجهاز على أمة وتفتيت دولها


المخطط الذي يُحاك للأمتين العربية والإسلامية اليوم في إطار سياسة الشرق الأوسط الجديد أكبر تعقيدا مما نظن وأشد ضراوة مما نتوقع وأخبث توجها مما نحلل. ففي ظل الموت السريري للأمتين باعتباره نتيجة طبيعية لانتزاع كل عوامل قوتهما، وإشغال كل دولة من دولهما بنفسها، والتخلي عن أي وحدة أو تضامن حقيقي، وإلهائها بهدف أقصى غاياته الحفاظ على وضعها بأي ثمن كان، قد عجل بتآكل الأمتين وتحقيق مخطط الإجهاز عليهما وتفتيت دولهما إلى غير رجعة، بحيث بدأت تصبح شتاتا من الدويلات والكيانات المتطاحنة التي تأكل بعضها بعضا، وتنفذ بعلم ودراية وترتيب أو عن جهل أو غباء أو غرور، بعض السياسات التي تحقق ذلك المخطط الخبيث.

فقد تعاظمت حالة الاقتتال الداخلي المبرمج في كل من السودان وليبيا وسوريا واليمن ولبنان والعراق وأفغانستان والصومال، مصحوبة بحالة توتر واستنزاف في بقية الدول بإشغالها أن تكون طرفا في حالات الاقتتال في تلك الدول بأي صورة كانت، مع التلاعب بها من خلال إرعابها بأمراء الحرب الدخلاء أو المأجورين أو الممولين وبصناعة غربية خبيثة من أمثال حفتر وغرنق وقيادات داعش وغيرهم!

لذا فالسؤال المنطقي هو: لماذا يقوم هؤلاء بتهديم دول الأمة ومعالم حضاراتها والتقتيل والتشريد المجافي للإسلام لسكانها والتنكيل اللاإنساني بشعوبها؟ فلماذا لا توجه قدراتهم للدكتاتوريات الفاسدة في هذه الدول كما هي الحال للأسد في سوريا؟! بل الأكثر إلحاحا هو لماذا لا توجه قدراتهم وهم على تخوم إسرائيل لهذا الكيان المحتل والغاشم، إن كان في أمراء الحرب أؤلئك أي بقية باقية من صدقية في الدين أو حقيقة لجهاد؟ أم أن دينهم وجهادهم هو بتقتيل أبناء الأمة وشعوبها بأعمال لا تمت للإسلام بصلة، وهو ما يؤكد أن ما نشهده هو صنيعة الصهيونية والأميركان، غايته الإجهاز على الأمة وتفتيت دولها بمنظومة شرق أوسط جديد نتجرع آلامه في ظل صمت مطبق أو تخاذل من الأنظمة.

في هذا السياق ندرك أيضاً أن ما حدث ويحدث في غزة هو حلقة من هذا المخطط الهادف إلى اجتثاث كل ما تبقى من مقاومة وصمود حقيقيين بما يمثله من رمزية لحقيقة معدن الأمة ورجالها، وكل ذلك حتى يحقق مخطط الشرق الأوسط الجديد غايته الاستراتيجية وهو «أمن إسرائيل» في وضع فيه دول الأمة وشعوبها خانعة والكيان الصهيوني المحتل متفوق ومتحكم، وهو لا يتحقق إلا بإكمال مخطط الغرب بالإجهاز على الأمة وتفتيت دولها وهو ما نشهده الآن والله المستعان على ما يصفون. وفي ظل هذه الأوضاع المأساوية فإن نفرا كبيرا من مثقفي الأمة ونخبها السياسية وكتابها ومعظم تياراتها الليبرالية لا تزال تعيش بفكر الانتهازية السياسية والتشفي، منشغلين بالخصومة العمياء لخصومهم الفكريين أو السياسيين في التعامل مع هذه الأحداث الجسام.



أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0