تماسك الجبهة الداخلية



تماسك الجبهة الداخلية قضية في غاية الأهمية سواء بالنسبة إلى عملية التنمية المستدامة أو عندما يكون هناك اضطرابات إقليمية ودولية، حيث إن قوة السياسة الخارجية تكون عادة بقدر تماسك الجبهة الداخلية وقوتها. وكما نرى فإن منطقتنا العربية تمر الآن بمرحلة انتقالية مُعقّدة ومُتعرّجة يتطلب التعامل معها الكثير من الحكمة والمواءمة السياسية في إدارة شؤون الدولة والمجتمع؛ لأن عدم استقرار الوضع الداخلي سيكون له تبعاته السلبية.

والكويت كبلد صغير تتأثر كثيرا بما يجري في الدول الكبيرة المجاورة مثل العراق الذي يعاني حاليا اضطرابات سياسية واجتماعية مفتوحة على جميع الاحتمالات، بما في ذلك الحرب الأهلية والتقسيم الطائفي والعرقي، فالتغيير الذي حصل هناك مؤخراً بعد الاستبدال برئيس الوزراء السابق المالكي، الذي تشبث بالسلطة حتى آخر لحظة، زميله في حزب الدعوة حيدر العبادي ليس سوى تغيير شكلي في الأشخاص فقط،

فالمعادلة السياسية المختلة التي وضع أسسها الاحتلال الأميركي، والتي تقوم على المحاصصة الطائفية والتهميش السياسي لمكونات اجتماعية أساسية وسيطرة حزب طائفي وإقصائي على الشأن العام لا تزال هذه المعادلة كما هي من دون أي تغيير جوهري، وهو ما يرجح استمرار المشاكل ذاتها التي عاناها العراق منذ إسقاط الطاغية المستبد صدام، وتولي المالكي رئاسة الحكومة، حيث بلغت ذروتها هذا العام، فمهدت الطريق لسيطرة "داعش" على مناطق حيوية واستراتيجية في العراق خلال بضعة أيام، وارتكابها جرائم فظيعة ضد الإنسانية وإطلاق تهديدات رعناء تجاه الكويت والسعودية.

لهذا فإنه من الأهمية بمكان الحفاظ على تماسك جبهتنا الداخلية التي عانت، مع الأسف الشديد، في السنوات الأخيرة ولا تزال تعاني مشكلات سياسية وانقساما اجتماعيا حاداً كان من المفترض تجنبهما بسهولة؛ لأن لدينا نظام حكم مستقراً يحظى بإجماع وطني نادر، فالخلاف السياسي ليس خلافاً حول نظام الحكم، بل حول طريقة إدارة الشأن العام، ولدينا أيضا تركيبة اجتماعية متجانسة وآليات دستورية مستقرة لو تم تطبيقها وتطويرها لكنا في وضع أفضل بكثير مما نحن فيه الآن.

تقوية الجبهة الداخلية تتطلب الإسراع في تحقيق مصالحة سياسية على أسس دستورية وديمقراطية واضحة يترتب عليها إصلاحات سياسية وديمقراطية، وتفعيل العمل السياسي الحقيقي وتطويره، بما يتضمنه من تفاهمات وتنازلات مشتركة وتوافق عام لكي يعود الصراع السياسي إلى قنواته الطبيعية؛ لأن استمرار الصراعات السياسية خارج الأطر الدستورية، والانتقائية والتعسف في تطبيق القانون، واستخدامه لأغراض

سياسية آنية كما يحصل في موضوع سحب وإسقاط شهادات الجنسية لن ينتج عنها إلا تفتيت النسيج الاجتماعي والوطني، والشعور بالظلم وعدم الاستقرار السياسي، وهي أمور من المفترض تجنبها في الظروف العادية، فما بالنا ونحن نعيش الآن في وضع عربي غير مستقر وظروف إقليمية ودولية بالغة الحساسية والتعقيد ومفتوحة على جميع الاحتمالات.
أضف تعليقك

تعليقات  0