مراجعات فكرية


الحياة متجددة باستمرار ودرجة تطور المجتمعات البشرية مختلفة وواقعها الاقتصادي والاجتماعي متغير على الدوام، فالثابت الوحيد في الحياة هو التغيير، لذا فمن الضرورة بمكان قيام القوى السياسية الحيّة بعمل مراجعات فكرية بشكل دائم؛ لأن تغيّر الزمان والمكان يتطلب تغيّر الاجتهادات النظرية، حيث تختلف المواقف لا المبادئ طبقا للمستجدات والتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وحيث إن منطقتنا تمر منذ ثلاثة أعوام بمنعطف تاريخي غير مسبوق تزامن مع تحولات عالمية سياسية واقتصادية عميقة لا سيما بعد الأزمة الاقتصادية الرأسمالية، فمن الضروري أن تقوم القوى المدنيّة الديمقراطية وقوى التغيير والتقدم بعمل مراجعات فكرية نقدية وجادة، يترتب عليها إعادة تشخيص الواقع بكل معطياته وإشكالاته وتناقضاته، من أجل تفسيره بدقة وفهمه بشكل صحيح، وتقديم برنامج عملي يحظى بالتفاف شعبي، ثم تجديد الخطاب السياسي بحيث يصبح خطابا واقعيا ومؤثرا في دفع عملية التغيير للأمام.

لأن التفكير المتخلف الموغل في السطحية والتبسيط المُسطّح والثنائية الشكلية يؤدي إلى التوقف عند مظاهر الحركة العامة للمجتمع، فلا يحلل الأسباب والدوافع العميقة التي أدت إلى ذلك، وهو الأمر الذي يترتب عليه اتخاذ مواقف غاية في السذاجة والسطحية والتبسيط المُخل وعدم الواقعية، مثلما هي الحال أيضا عند الاكتفاء بترديد مقولات بعض فلاسفة ومنظري القرنين التاسع عشر والعشرين من دون معرفة ملابساتها وسياقها التاريخي، ثم محاولة إسقاطها بشكل قسري على الواقع، أو رفع شعارات سياسية صالحة لقرون خلت وقيلت في ظل ظروف مجتمعية مغايرة وسياق تاريخي مختلف كليا عن واقعنا الحالي المُعقد، ناهيك عن أن الشعارات والمصطلحات تحتاج باستمرار إلى التجديد، وهي بحد ذاتها غير كافية ومُضللة أيضا ما لم تُربط بممارسات عملية وواقعية.

على الجانب الآخر فإن القوى السياسية التي تستخدم الدين أو ما يُسمى قوى الإسلام السياسي لا سيما الجماعة الأم (الإخوان المسلمين) مطالبة هي أيضا بعمل مراجعات فكرية عميقة تؤهلها لأن تكون قادرة على العمل ضمن مجتمع إنساني متعدد ومتنوع يحترم الاختلاف الفكري والسياسي، ويضمن التعايش السلمي بين مكوناته المختلفة دون تخوين أو إقصاء، ويصون حقوق الإنسان باعتباره إنسانا بصرف النظر عن دينه ومذهبه وعرقه، حيث أثبتت الأيام فشل الشعارات السياسية التي رفعتها هذه القوى لأنها لم تكن شعارات واقعية بل كانت عاطفية تؤجج المشاعر الدينية للناس البسطاء وتوظفها سياسيا.

كما أثبت الواقع أيضا أن قوى الإسلام المُسيس لا تملك نهجا اقتصاديا مختلفا عن النهج الاقتصادي للأنظمة التي قامت الثورات ضدها نظرا لطبيعة التركيبة الاجتماعية-الاقتصادية لقياداتها، فضلا عن أن ممارستها العملية سواء عندما كانت في السلطة أو خارجها (في مصر مثلاً) ترتب عليها نتائج كارثية تصب في مصلحة الأنظمة الاستبدادية والثورة المضادة،

كما نرى الآن في أكثر من دولة عربية رغم الشعارات السياسية الجوفاء التي كانت ترفعها ولا تعترف بها على أرض الواقع، فهي تعتبرها مجرد شعارات شكلية مؤقتة الغرض منها كسب تأييد الجماهير، لكنها تُخفي وراءها رغبتها الجامحة في استخدام الآليات الديمقراطية كصناديق الاقتراع مثلا من أجل الوصول إلى السلطة ثم احتكارها وإقصاء الخصوم السياسيين.
أضف تعليقك

تعليقات  0