وفاة الشاعر الفلسطيني سميح القاسم بعد صراع مع المرض


رحل مساء الثلاثاء، الشاعر الفلسطيني الكبير، سميح القاسم، عن عمر يناهز 75 عاماً، بعد صراع طويل مع مرض السرطان، وتدهور حالته الصحية في الأيام القليلة الماضية ومكوثه في مستشفى صفد شمالي البلاد.

وقال صديقه الكاتب عصام خوري مدير مؤسسة محمود درويش لوكالة فرانس برس بينما كان يجهش بالبكاء “لقد فارقنا سميح (…) اقف الى جانب سريره مع زوجته واولاده واشقائه”.

وسميح القاسم، هو أحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي عام الـ 48، مؤسس صحيفة كل العرب ورئيس تحريرها الفخري، عضو سابق في الحزب الشيوعي.

ولد القاسم وهو متزوج وأب لأربعة أولاد هم (وطن ووضاح وعمر وياسر) في مدينة الزرقاء الأردنية في الـ11 من ايار عام 1939 لعائلة عربية فلسطينية من قرية الرامة وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة، وعلّم في إحدى المدارس، ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي قبل أن يترك الحزب ليتفرغ لعمله الأدبي.

ويعد القاسم واحداً من أبرز شعراء فلسطين، وسجن أكثر من مرة كما وضع رهن الإقامة الجبرية والاعتقال المنـزلي وطُرِدَ مِن عمله مرَّات عدّة بسبب نشاطه الشِّعري والسياسي وواجَهَ أكثر مِن تهديد بالقتل، في الوطن وخارجه.

وقد قاوم التجنيد الذي فرضته اسرائيل على الطائفة الدرزية التي ينتمي اليها. اشتغل مُعلماً وعاملاً في خليج حيفا وصحفياً.

والقاسم شاعر مكثر يتناول في شعره الكفاح والمعاناة الفلسطينيين، وما أن بلغ الثلاثين حتى كان قد نشر ست مجموعات شعرية حازت على شهرة واسعة في العالم العربي.

كتب القاسم أيضاً عدداً من الروايات، ومن بين اهتماماته الحالية إنشاء مسرح فلسطيني يحمل رسالة فنية وثقافية عالية كما يحمل في الوقت نفسه رسالة سياسية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية.

كانَ والدُهُ ضابطاً برتبةِ رئيس (كابتن) في قوّة حدود شرق الأردن وكانَ الضباط يقيمونَ هناك مع عائلاتهم.

حينَ كانت العائلة في طريق العودة إلى فلسطين في القطار، في غمرة الحرب العالمية الثانية ونظام التعتيم، بكى الطفل سميح فذُعرَ الركَّاب وخافوا أنْ تهتدي إليهم الطائرات الألمانية! وبلغَ بهم الذعر درجة التهديد بقتل الطفل إلى آن اضطر الوالد إلى إشهار سلاحه في وجوههم لردعهم، وحينَ رُوِيَت الحكاية لسميح فيما بعد تركَتْ أثراً عميقاً في نفسه: ‘حسناً لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة سأريهم سأتكلّم متى أشاء وفي أيّ وقت وبأعلى صَوت، لنْ يقوى أحدٌ على إسكاتي’.

وروى بعض شيوخ العائلة أنَّ جدَّهم الأول خير محمد الحسين كانَ فارساً مِن أسياد القرامطة قَدِمَ مِن شِبه الجزيرة العربية لمقاتلة الروم واستقرَّ به المطاف على سفح جبل حيدَر في فلسطين على مشارف موقع كانَ مستوطنة للروم. وما زالَ الموقع الذي نزل فيه معروفاً إلى اليوم باسم ‘خلَّة خير’ على سفح جبل حيدر الجنوبي.

وآل حسين معروفون بميلهم الشديد إلى الثقافة وفي مقدّمتهم المرحوم المحامي علي حسين الأسعد، رجل القانون والمربي الذي ألّفَ وترجَمَ وأعدَّ القواميس المدرسية وكتَبَ الشِّعر وتوزَّعَتْ جهودُهُ بينَ فلسطين وسوريا ولبنان وأَقامَ معهد الشرق لتعليم اللغات الأجنبية في دمشق.

كتب سميح القاسم أيضاً عدداً من الروايات، ومن بين اهتماماته إنشاء مسرح فلسطيني يحمل رسالة فنية وثقافية عالية كما يحمل في الوقت نفسه رسالة سياسية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية.

أسهَمَ في تحرير ‘الغد’ و’الاتحاد’ ثم رَئِسَ تحرير جريدة ‘هذا العالم’ عام 1966. ثُمَّ عادَ للعمل مُحرراً أدبياً في ‘الاتحاد’ وآمين عام تحرير ‘الجديد’ ثمَّ رئيس تحريرها. وأسَّسَ منشورات ‘عربسك’ في حيفا، مع الكاتب عصام خوري سنة 1973، وأدارَ فيما بعد ‘المؤسسة الشعبية للفنون’ في حيفا.

رَئِسَ القاسم اتحاد الكتاب العرب والاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين في فلسطين منذ تأسيسهما. ورئس تحرير الفصلية الثقافية ‘إضاءات’ التي أصدرها بالتعاون مع الكاتب الدكتور نبيه القاسم. وهو رئيس التحرير الفخري لصحيفة ‘كل العرب’ الصادرة في الناصرة.

صَدَرَ له أكثر من 60 كتاباً في الشعر والقصة والمسرح والمقالة والترجمة، وصدَرتْ أعماله الناجزة في سبعة مجلّدات عن دور نشر عدّة في القدس وبيروت والقاهرة.

تُرجِمَ عددٌ كبير من قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية والعبرية واللغات الأخرى.

حصل سميح القاسم على العديد من الجوائز والدروع وشهادات التقدير وعضوية الشرف في عدّة مؤسسات. فنالَ جائزة ‘غار الشعر’ من إسبانيا وعلى جائزتين من فرنسا عن مختاراته التي ترجمها إلى الفرنسية الشاعر والكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي. وحصلَ على جائزة البابطين وحصل مرّتين على ‘وسام القدس للثقافة’ من الرئيس ياسر عرفات، وحصلَ على جائزة نجيب محفوظ من مصر وجائزة ‘السلام’ من واحة السلام، وجائزة ‘الشعر’ الفلسطينية.

وكتب سميح القاسم قصائد معروفة وتغنى في كل العالم العربي منها قصيدته التي غناها مرسيل خليفة ويغنيها كل اطفال فلسطين وتغنى في كل مناسبة قومية “منتصب القامة امشي .. مرفوع الهامة امشي …في كفي قصفة زيتون… وعلى كتفي نعشي، وانا امشي وانا امشي”.

اشتهر بكتابته هو والشاعر محمود درويش الذي ترك البلاد في السبعينيات ‘كتابات شطري البرتقالة’.

ووصف مدير مؤسسة محمود درويش الكاتب عصام خوري هذه المراسلات بأنها ‘كانت حالة ادبية نادرة وخاصة بين شاعرين كبيرين قلما نجدها في التاريخ.

ونعى الرئيس الفلسطيني محمود عباس الشاعر الراحل. ونقلت عنه الوكالة الفلسطينية قوله “الشاعر القاسم صاحب الصوت الوطني الشامخ رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء والذي كرس جل حياته مدافعا عن الحق والعدل والأرض.”
أضف تعليقك

تعليقات  0