الفوضى الخلاقة لا تسير بخط مستقيم


قالت مصادر إعلامية ان الولايات المتحدة تنوي توجيه «ضربة محدودة»، ضد «داعش» وبعض قادتها في سورية، وذلك في أعقاب انتقادات من نخب سياسية منهم أعضاء في الكونغرس والحكومة الأميركية للرئيس أوباما، لأن ضرباته الجوية «المحدودة» ضد الدولة الإسلامية والتي تركزت عند حدود أربيل، لم تكن ذات تأثير جذري بحيث تغيّر موازين القوى في الصراع الدائر في العراق، ما لم تبادر الإدارة الأميركية إلى توجيه ضربة مماثلة إلى التنظيم في سورية، حسب رأي القادة السياسيين الأميركيين.

لكن خشية أوباما من أن تؤثر الضربات الأميركية لمواقع في الأراضي السورية، إلى تغيير موازين القوى لصالح المعارضة ضد نظام الأسد، إضافة إلى إغضاب الشريك الجديد القديم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فالأمور بالنسبة للإدارة الأميركية دقيقة قد تخل بمخطط التقسيم المرسوم سلفاً لشرق أوسط جديد، مثلما حدث من اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية لحدود إقليم كردستان فاضطرت أميركا لتوجيه ضربات تنبيهية للدولة الإسلامية، بعدم تجاوز حدود التقسيم للعراق والمرسومة مسبقاً، وكما حدث أيضاً عندما أسقط الشعب المصري حكم «الأخوان المسلمين»، الذي كانت الإدارة الأميركية تعوّل عليه كحليف مهم لتنفيذ مخطط إضعاف الجيش المصري أسوة بالجيشين العراقي والسوري، وإيجاد أراض لمشروع توطين الفلسطينيين في شمال سيناء.

لم تظن الولايات المتحدة والعدو الصهيوني أن حساباتهما قد ترتبك، سواء في نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في غزة تليها الضفة الغربية، ولا حساباتهما في صنع وافتعال الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط، لكن المقاومة الفلسطينية الباسلة وصمود أهلنا في غزة فاجآ الإدارتين الأميركية والإسرائيلية، كما فاجأتهما الموجة الثورية الثانية والكبيرة في 30 يونيو للشعب المصري، والتي لاتزال الولايات المتحدة وإسرائيل تخططان لإجهاضها بمد «الأخوان المسلمين» بالسلاح ورفدهم بمجموعات جهادية بمن فيهم إرهابيو «داعش»، رغم الضعف الواضح والخيبة الكبيرة بقدرات تنظيم «الأخوان»، بعد أن تشكل تعويل أميركي على تخلف الشعوب العربية وضعفها بسبب قمع أنظمتها لها.

ونستطيع أن نجد أوجه شبه بين تنظيم «الأخوان» وتنظيم الدولة الإسلامية، هذا إذا نحينا الأصل المشترك والمنبع الواحد الذي تفرعا منه، وهذا الشبه يتمثل بالغرور والتمادي باستعراض القوة حتى ضد الأنظمة التي دعمتها ورعتها منذ البداية، وهذا سبب تخلي الأنظمة العربية عنها بل وتحجيمها، وهو سبب جموح «القاعدة» وخروجه على الراعي الأميركي الغربي له، وأيضاً هذا ما حدث للدولة الإسلامية عندما اغترت بسهولة اجتياحها للأراضي العربية، فتمادت بكشف أهدافها غير الإسلامية المعلنة سابقاً من خلال طلب فديات مالية لرهائن غربيين، ما يوضح طبيعتها الحقيقية كعصابات مافيوية ليس لها أدنى علاقة بالإسلام الحنيف.

لقد كان كسينجر أكثر واقعية عندما سمى مخطط الحرب الإسلامية - الإسلامية «حرب المئة عام»، بينما أظهرت الإدارات الأميركية المتعاقبة، خصوصاً إدارات بوش الأب وبوش الابن وأوباما استعجالاً لقطف ثمار الفوضى الخلاقة، وصراع الحضارات الثانوية «بين الطوائف الإسلامية»، وهو ما لا يمكن رسمه بالمسطرة والقلم، كما أن الواقع المتغير للشعوب يتطلب مخططات متغيرة ومناسبة أو متماهية للتغيرات في حركة الشعوب، والتي لا تملك الرأسمالية الأداة العلمية لتحليلها مثلما تملكها نظرية الاشتراكية العلمية، رغم نجاح الرأسمالية الجزئي بخلق تفاهمات في منطقتنا.

وليد الرجيب

osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0