الجريمة القادمة



في منتصف الستينات، وبعد تزوير انتخابات مجلس الامة، وانفراد السلطة بالقرارات السياسية والإدارية بلا رقابة أو تدقيق حقيقي. في ذلك الوقت برز نائب الخدمات، وبرزت معه الحاجة الى اختلاق أماكن وفرص نفوذ لهذه النوعية من النواب.

هنا استخدمت السلطة الجهاز الحكومي وسخرته لخدمة نواب الخدمات بدلا من خدمة المواطنين.

وتم اختراع واختلاق مؤسسات حكومية وهمية لتوفير الوظائف لـ«ناخبي» نواب الخدمات، اغلبها او الملاحظ منها العائد لوزارة الداخلية، حرس الحدود، سلاح الهجانة، خفر السواحل، ثم حراس المدارس في وزارة التربية. ولان هذا لم يكن كافيا وحده، فقد تمدد التعسف ليطول الجهاز الوظيفي القائم، عبر إعادة النظر في وظائفه القائمة، وإعادة توجيهها لخدمة ومصلحة السلطة. فكان ان تم اختلاق سياسة «التكويت»، التي تعني إحلال العنصر «الوطني» محل العنصر الوافد او غير الكويتي بالتحديد، وهذه السياسة كانت كارثة على الجميع، على البلد وعلى الموظف الوافد وعلى المواطن نفسه.

البلد تم تسليم مؤسساته الى أيادٍ معظمها غير مدربة وغير فنية وغير امينة في عملها أيضا. والوافد المسكين تم تصغيره والتشكيك في امانته وقدراته واخلاصه في العمل، مما انعكس على ادائه وكفاءة انتاجه. المواطن الكويتي بالطبع تم تدمير شخصيته وقتل حوافز التفوق لديه، بعد ان منح الشهادة الكبرى التي تفتح الأبواب وتهدم الاسوار، التي لا ينبغي ان تتجاوز، وهي شهادة الجنسية. شهادة الجنسية التي كانت ولا تزال وحدها كافية لفتح طريق الكويتي أينما ذهب.

هذه كانت الجريمة الأولى وليست الأخيرة في حق البلد وفي الجهاز الوظيفي والمواطن الكويتي. الان.. يبدو انه بعد تضخم الجهاز الوظيفي للدولة وعجز الميزانية عن الوفاء بتكلفة تشغيل العاطلين عن العمل، فان الدعوات تتصاعد هذه الأيام لتكويت القطاع الخاص..!

دمروا القطاع العام، واليوم يوجهون الأنظار نحو القطاع الخاص لتلويثه بعقلية النسب والاصل، بدلا من عقلية الكفاءة والخبرة، بعقلية هذا ولدنا او ابن عمنا بدلا من هذه خبرته وهذا عمله. تكويت القطاع الخاص يعني ان تعم الفوضى كل مكان، وان يتسيد الفساد في وعلى كل شيء.

ان ما يحفظ للبلد وجوده ويديم له حركته هو توافر العنصر «الأجنبي»، المنتج والشغال في القطاعين العام والخاص، ولا عزاء ولا اعتذار هنا للكويتيين. تكويت القطاع الخاص سيفاقم من ازمة التكسب في البلد، وسيفتح آفاقا لا حصر لها للتكسب والانتفاع.. وسيحول القطاع الخاص الى مسرح للعبث واداة بيد المتنفذين لتنفيع الاعوان والاتباع، وليس لخدمة البلد او حتى استرضاء أصحاب الحلال.




عبداللطيف الدعيج
أضف تعليقك

تعليقات  0