أين موقعنا من الإعراب؟!


كتب طارق عثمان في دورية "فورن أفيرز"، العدد الأخير، مقالاً موجهاً إلى الطبقة الوسطى في العالم العربي، مخاطباً إياها (ربما يقصد الفئات الواعية المثقفة من تلك الطبقة) بأنه لا يوجد طريق وسط أمامها، فالأنظمة العربية ومع بدايات الربيع العربي ثم الانقلابات المضادة عليه، بدأت سياسات رفع الدعم عن سلع وخدمات، وبدأت فرض الرسوم والضرائب المباشرة

وغير المباشرة، وطرحت مشروعات للبنية التحتية التي تستفيد منها القلة التي تدور في فلك السلطات الحاكمة، وصاحَب تلك التغيرات جهد كبير من السلطات الحاكمة لتقليص حقوق وحريات الأفراد وقمع كل صوت معارض لها، رافقه تدهور في وضع الفقراء، أمام ذلك ستجد الطبقة الوسطى أنه لا خيار أمامها سوى الاصطفاف مع المحرومين، ومواجهة جماعات الفساد المتحلقة حول الأنظمة، وأهم من كل ذلك عليها تقبُّل تضحيات اقتصادية حين يبدأ مشوار الإصلاح الاقتصادي.

ويضرب الكاتب مثلاً بدول شرق أوروبا في التسعينيات من القرن الماضي، حين قدمت الطبقة الوسطى فيها تضحيات كبيرة من أجل الإصلاحات الاقتصادية، وبدأت الآن في قطف ثمار التضحية.

أياً كان موقف الكاتب طارق عثمان في طرحه الضمني بأن الإصلاحات الاقتصادية تعني إطلاق قوى القطاع الخاص، وتقليص الهيمنة الاقتصادية للدولة، يبقى القول بأن الكاتب يشخص، واقع دولنا العربية، ويحدّد مرضها المزمن بأنظمتها المحتكرة للقرار السياسي واستشراء قوى الفساد المتنفذة فيها.


واقعنا يشي بأن الفوضى المدمرة (لا الخلاقة) ستكون مصير دولنا، بعد أن تركزت فيها الاستقطابات الطائفية الدينية وتقاطعت مع النعرات القبلية، مع انحياز السلطة الحاكمة إلى طائفة وقمعها للأخرى، وغذت بحماقة، روح العصبية لهذه الطائفة أو تلك كي تلتصق كلتاهما بنظام الحكم حين ترى فيه حبل نجاتها الوحيد، ولو أنه حقيقة حبل سيلتف حول رقبتها ورقبة مستقبل الدولة.


نشهد اليوم، في عدد من الأقطار العربية انتكاساتها عن مسار الربيع، لتقع في خريف وجودها ببركة تحالف أنظمة حكم الثورة المضادة، ودفعها إلى إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 2011، إن لم يكن أسوأ، والنتيجة الحتمية هو ما نشاهده اليوم في العراق وسورية، وفي الطريق دول أخرى إن ظلت الأمور على حالها، حين اختلطت بذور الجهل والتخلف الفكري والنعرات الطائفية بأنظمة حكم جاهلة ومستبدة في وعاء واحد، فتمخَّض الرحم العربي ليلد لنا مسخ العصابات

الداعشية وما سبقها في مضمار الرعب الإجرامي، وكلها نتاج التهميش الطائفي، وقبل ذلك نتاج أنظمة الحكم التسلطي، وغياب المشروع الحضاري التقدمي عن فكر تلك الأنظمة، التي هي أقرب ما يكون إلى قطاع الطرق، وقبائل تغزو وتسلب غيرها من القبائل، من أن تكون سلطات حاكمة.

أين موقع الكويت مما حدث وسيحدث؟ وهل ستبقى حالة الصمت واللامبالاة والخدر من "طبقتنا الوسطى" إلى أن ينزل الفاس بالراس.. لا قدر الله؟!
أضف تعليقك

تعليقات  0