داعش ليس تجربة مختبرية


مازالت الولايات المتحدة مترددة في اتخاذ قرار بإجراء حاسم ضد الدولة الإسلامية، التي تتمدد يومياً ويقوى نفوذها، مثل قرار بضربة قاصمة تنهي أو تضعف التنظيم لدرجة الشلل، وتعيد رسم تفاهماتها مع دول الإقليم، بحيث لا تنفرد الولايات المتحدة بإجراءات عسكرية على قياس مصالحها في المنطقة.

ونقصد بالتفاهمات، والتي بدأت في الواقع منذ بضع سنوات مع دول المنطقة وخاصة المؤثرة منها، بشكل لا يؤدي إلى فقدان المجتمع الدولي السيطرة على من زرعتهم أميركا في أراضينا، من عصابات إجرامية وإرهابية أشعرت الجميع بفظائعها اللاإنسانية ومن جميع الطوائف، فالقمقم الذي فتحته الولايات المتحدة لتخرج منه ما ينفذ سياساتها في الشرق الأوسط، أصبح من الصعب إعادته إلى القمقم، بعدما تضخم ونما وكبر حجمه لدرجة لا يستوعبه القمقم حتى أصبح خطراً ماثلاً للبشرية، بدليل أن بعض المصادر التحليلية السياسية قد قدرت أعضاء تنظيم داعش بأكثر من مئة ألف مقاتل، يحتلون مناطق واسعة تقدر بأكبر من مساحة بريطانيا ولبنان وبلجيكا مجتمعين، ويملك التنظيم موارد مالية وطبيعية ما يؤهله لأن يصبح دولة كبرى.

كما بدأ الإعلام الأميركي يحذر من خطر داعش المباشر على الولايات المتحدة وإمكانية الوصول إلى عقر دارها، فقد دعت صحيفة نيويورك تايمز في إحدى افتتاحياتها إلى تحالف عسكري بمشاركة دول إسلامية أخرى بالمعركة ضد التنظيم الذي يتمدد بشكل أخطبوطي، وتنضم إليه يومياً أعداد غفيرة من الدول الغربية والعربية وغير العربية تقدر بعشرات الآلاف، وكلما طال بقائه امتد عمره وتعاظمت قوته.

ويبدو أن الولايات المتحدة والغرب لا يتعلمون من دروس الماضي، فعندما دعموا تنظيم طالبان الجهادي بأفغانستان لمحاربة السوفيات، انقلب السحر على الساحر وسرعان ما تحول الربيب إلى خطر وصل إلى داخل الولايات المتحدة، وهذا ما سيحدث إذا استمر تهاون الولايات المتحدة مع تنظيم الدولة الإسلامية واستمرت بدعمه، طمعاً في تحقيق حلم مخطط تقسيم الشرق الأوسط.

فالواقع قد يفاجئنا بمنعطفات ومتغيرات لم تكن ضمن حساباتنا أو مخططاتنا الذهنية، ولا حتى مخططات أكبر العقول الاستراتيجية، فلا يمكن تحقيق الأهداف على أرض الواقع بحسابات رياضية بسيطة، ولا يمكن السيطرة المختبرية على النزعات البشرية التي ذاقت نشوة الانتصار والنفوذ والسيطرة والمال والمتعة الحرام.

إن الدول والمجتمعات التي تستطيع الدفاع عن أرضها ونفسها، هي تلك المجتمعات التي تشعر بالسلام والاستقرار والعدالة الاجتماعية، هي تلك المتصالحة مع أنظمتها وليست تلك التي لا تشعر بالأمان في وطنها جراء استبداد وقمع أنظمتها لها، وتلك التي تسود فيها حالة فساد مستشرية وتعسف باستخدام القانون وغياب للديموقراطية الحقيقية.

فعندما تفشى سرطان داعش في سورية والعراق، كانت بيئة الفساد والظلم والقمع وتشجيع التعصب الطائفي والقبلي والفئوي، صالحة لنمو وانتشار وتفاقم مثل هذه الآفات، التي تشبه الأوبئة في انتشارها السريع وقضائها على البشر، وحالما تغير رئيس الوزراء العراقي سواء كان أفضل أم أسوأ من سابقه، خلق حالة من التفاؤل لدى العشائر السنية دفعها لحمل السلاح دفاعاً عن الوطن والوجود والقيم، فالشعوب قوة لا يمكن لأي قوة أخرى دحرها مهما بلغت من سطوة أو جبروت.

وليد الرجيب

osbohatw@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0