الجغرافيا السياسية للنفط تكشف أبعاد الصراع في العراق.. تحليل جيل برديه




جيل برديه - صحيفة "سلات فرانس"

ترجمة : محمد بدوي

في العراق، يتجدد الصراع بين المسلحين السنة الممثلين في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" الذي سيطر على منشآت نفطية في بلد يمثل الذهب الأسود تسعة أعشار ثروته الوطنية، وكل أسباب الحروب والصراعات هناك تمر ولابد عبر آبار النفط ومنشآته.

فقد أصبح العراق مرة أخرى قوة نفطية كبرى. إذ يمتلك احتياطيات تقدر بأكثر من 144 مليار برميل، بينما تمتلك المملكة العربية السعودية 265 مليار برميل، وإيران 157 مليار برميل وفقا لأحدث إحصائيات منظمة أوبك، ليصبح واحدا من أكثر البلدان الغنية بالموارد الطبيعية في الشرق الأوسط، بينما كانت معدلات الإنتاج غير منتظمة طوال العقود الماضية بسبب حربه مع إيران وحرب الخليج الأولى في الكويت، وعقوبات الأمم المتحدة والاحتلال الأمريكي في مارس 2003 والذي ما زالت تداعياته متواجدة إلى اليوم.

وبعد متوسط إنتاج يصل إلى 3 ملايين برميل يوميا خلال ??العام الماضي، وصلت إلى 3.6 مليون برميل يوميا في شهر فبراير عام 2014، وهو مستوى لم يشهده العراق منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي، كما ارتفعت الصادرات من النفط العراقي إلى حوالي 2.4 مليون برميل يوميا، ووضعت البلاد في المرتبة الثالثة بين الدول الكبرى المنتجة للنفط بعد السعودية وروسيا. لكن ذلك كان قبل ظهور داعش.

وكان من المخطط أن يستمر الاتجاه التصاعدي لزيادة الإنتاج وارتفاعه إلى 4 ملايين برميل يوميا بحلول نهاية هذا العام، وإلى 5 ملايين العام القادم، وإلى 8 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2035 وفقا لوكالة الطاقة الدولية.



الجنوب منطقة استراتيجية في يد الشيعة

في هذا البلد الذي عانى من عدم الاستقرار لعقود بسبب الحروب والاحتلال، يمكن لهذه الثروة أن تتحول إلى برميل بارود بسبب الصراعات العرقية أو الدينية، وبالفعل هذا ما أصبح الحال عليه في العراق، حيث ارتفعت أسهم القوة الشيعية على حساب أهل السنة وخاصة في وسط البلاد، بينما يسيطر الأكراد على شمال البلاد.

ولأن الشيعة يتمركزون في جنوب البلاد، فقد سيطروا على المنطقة الأكثر استراتيجية لصناعة النفط. فهناك منطقة البصرة التي تقع على أكبر احتياطي للذهب الأسود، وتنتج نحو 90 ? من النفط العراقي حيث يوجد بها أكبر محطة النفط في البلاد، ويمر عبرها نحو 80 ? من صادرات العراق. ومنطقيا، يعتبر هذا المكان هو الأهم من الناحية الاستراتيجية لصناعة النفط في العراق.

وبتمكين الطائفة الشيعية من الحكم في بغداد بعد سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين الذي كان سنيا، سمحت الولايات المتحدة بطريقة أو بأخرى لضحايا صدام السابقين بالانتقام من السنة وتمكينهم من السيطرة على أهم مراكز النفط.

ولكن الدولة العراقية اليوم باتت أكثر هشاشة وحتى معسكر الشيعة انقسم على نفسه، كما اتضح من عزل رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي مؤخرا، ما يضيف حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل البلاد.



نفط الشمال مفتاح استقلال الأكراد

في الشمال تقع كردستان، ونصيبها من النفط أقل من الجنوب. فهذه المنطقة التي تتمتع بالحكم الذاتي لا تنتج سوى 10? من إجمالي النفط العراقي من حقول تتوزع حول كركوك، وبدرجة أقل في الموصل، التي يهتم بها الأكراد أيضا وحقول أخرى حول العاصمة أربيل. وتعد هذه الثروة هي مصدر قوة الأكراد لبناء دولتهم وتحقيق حلم الأكراد العراقيين بالاستقلال.

ولهذه الأسباب، تحاول قوات البشمركة صد هجمات التنظيمات المسلحة مثل داعش ومنعها من السيطرة على حقول البترول، وعلاوة على ذلك، فإن كردستان تقوم بتصدير البترول بشكل مباشر بعيدا عن وصاية بغداد، وذلك إلى ميناء جيهان التركي في البحر المتوسط. وأصبح هذا أمرا معتادا بسبب عدم قدرة الحكومة العراقية على الرد عليه أو التحكم فيه.



انتقام السنة

بإدراك خريطة النفط في العراق، من السهل علينا أن نفهم الآن أسباب تحركات الجهاديين السنة وتقدمهم السريع مؤخرا. فقد ظلوا بعيدين تمام عن الطفرة النفطية والاستفادة منها، ومفتقدين لأي سيطرة على جميع الأدوات الاستراتيجية مثل خطوط الأنابيب ومحطات الإنتاج، وتواجد السكان السنة وسط البلاد لم يعارض تقدم هؤلاء الإسلاميين الذين استثمروا شعورهم بالإحباط للحصول على تأييدهم ودعمهم.

وفي بداية هجومها شمالا، سيطر المقاتلون السنة على مدينة الموصل، الأمر الذي زاد من وتيرة إعادة تسليح الأكراد للحيلولة دون سيطرة داعش على ثروتهم النفطية، التي تعتبر حمايتها خطوة أولى نحو استقلال دولتهم. وكان ذلك رغم إعلان داعش أنها ستتوجه نحو بغداد وجنوب البلاد. وفي الوقت الذي ظهرت فيه بعض أعمال التخريب في خط الأنابيب التاريخي شمال البلاد والذي يربط العراق بتركيا. لم تحاول داعش تدمير المنشآت النفطية.

أما بالنسبة للأكراد، فقد فتحوا طريقا جديدا عبر أراضي الشمال لتصدير النفط عبر تركيا وصولا إلى البحر المتوسط. وبذلك تتحدى السلطات الشيعية في بغداد التي ترى أنها هي من تمتلك حق تنظيم تصدير النفط، ولكن الواقع يقول: إنها لم تعد لديها وسيلة لفرض هذه القاعدة.



تأثير الأزمة العراقية على أسعار النفط العالمية

تطورات المشهد العراقي المتعلقة بصناعة النفط وتهديد مصالح البعض هناك والحرص على الحفاظ على سلامة المرافق النفطية رغم القتال، كل ذلك ساهم بشكل أو آخر في عدم اضطراب أسواق النفط. نظرا لأن الطاقة الإنتاجية للحقول النفطية في منطقة كردستان شمال العراق لا تؤثر مطلقا على السوق النفطية.

وهناك عوامل أخرى لها دور في الحفاظ على توافر الإمدادات الكافية إلى السوق، وفقا لتقارير وكالة الطاقة الدولية. ومنها قدرات المملكة العربية السعودية لتعويض أي انخفاض محتمل من قبل أي دولة أخرى، وتصاعد إنتاج الزيت الصخري في أمريكا الشمالية، والتوقعات بانخفاض الطلب العالمي، كل ذلك يفسر استقرار السوق الحالي.

كما أن القرارات الأخيرة للولايات المتحدة وفرنسا بإرسال أسلحة لمقاتلي البشمركة الكردية للمساعدة في قتال داعش توضح أن القوى الغربية لا تريد السماح بظهور قوة إسلامية سنية في العراق تمثل خطورة على الثروة النفطية وتنشر أفكارها خارج الحدود. وفضلا عن ذلك، فإن إيران الشيعية تهدد بالرد إذا حاولت التنظيمات السنية التوجه إلى بغداد وجنوب البلاد.

في ظل هذه الظروف، لا يوجد ما يشير إلى اعتزام الجماعات المسلحة مهاجمة المنشآت النفطية، سواء التي تعمل في الإنتاج أو التصدير. وبالتالي فإن أسواق النفط لا يبدو أنها تخاف حتى الآن من تداعيات هذا الصراع، حتى وإن انخفضت إمدادات العراق النفطية فإنها لا تهدد التوازن بين العرض والطلب بسبب وجود بدائل أخرى.

المصدر : صحيفة (سلات فرانس)
أضف تعليقك

تعليقات  0