موظفون لدى من عينهم


سياسة «التكويت» يجب ان ننظر إليها بجدية، لأني اعتقد ان لها امتدادا سلبيا عظيما على وضع البلد وسكانه. لدرجة انني اجزم بان الفساد والمآزق التي دخل بها البلد حاليا تعود جذورها بشكل أساسي، وليس بالضرورة بشكل مباشر، الى تلك السياسة الخرقاء.

تكويت الوظائف لم يضع الرجل غير المناسب في المكان الخطأ فقط، ولكنه ايضا حرم الجهاز الوظيفي من عطاء وانتاجية الرجل المناسب، الذي تمت ازاحته، لا لشيء الا لأجل خلق مكان مناسب لـ«الطفل المدلل».. المواطن الكويتي بالطبع. هذا بالطبع أدى الى تردي إنتاجية الجهاز الوظيفي في جميع الإدارات الحكومية، كما أدى ـ وهذا الأخطر ـ الى انتشار التسيب ثم الفساد وارتكاب الجرائم فيه. كثيرون يعتقدون ان انتشار الواسطة في مؤسسات الدولة يعود فقط الى نواب الخدمات او الى العادات والعلاقات بين الناس، هذا صحيح جزئيا، لكن يبقى الأهم ان قبولها وانتشارها بهذا الشكل الواسع ما كانا ليكونا ممكنين لولا ان «الموظف» الحكومي نفسه هو خريج ونتاج هذه الواسطة، أي انه ـــ وبناء على سياسة التكويت ـــ معين لأنه «كويتي». واسطته في التربع على الوظيفة الإدارية العالية نتيجة سياسة التكويت انه كويتي.. لهذا فهو يقبل التوسط والتزكية، بل هو ربما يفرض كل ذلك ليحصن وضعه ويبرر وجوده. او لنختصرها في ان الخطأ يورث الخطأ، او انه ابن الواسطة ونتاجها. لهذا فانه ليس بالإمكان حاليا انجاز اي معاملة في أي إدارة حكومية ما لم تتدخل بها الواسطة.

على الجانب الاخر، فإن الموظف الوافد الذي ظلم، او في الواقع «استعبد» لأنه وافد. لم يعد مجبرا أخلاقيا على احترام عمله او الإخلاص فيه، او لم يعد معنيا بإنجازه على الوجه الاكمل بعد ان تمت مصادرة او الغاء «محفزات» العمل لديه. ففي النهاية سيبقى هو وافدا.. ستتم ازاحته او تغييره بابن البلد متى احتاج متنفذ او من بيده الامر لمكانه. لهذا فان الجميع في الجهاز الوظيفي الحكومي يفتقدون احترام العمل والإخلاص له.

ان من يحصر الفساد في المتنفذين الكبار يرتكب خطأ عظيما، فهؤلاء مهما عظمت وتعاظمت سطوتهم يبقون في النهاية تحت رحمة موافقة الموظف الحكومي، او في معظم الحالات غض نظره واشاحته عن المخالفات والتجاوزات التي يتفنن في ارتكابها الفاسدون.

ان التطهير من الأعلى لن يجدي، وحصره في محاربة الفساد او من استغله لن ينفع، ما لم يتم اصلاح الجهاز الوظيفي ونظام العمل والولاء أيضا، فأغلب نتاج سياسة التكويت ولاؤهم لمن عينهم وليس للبلد.




عبداللطيف الدعيج
أضف تعليقك

تعليقات  0