كيف تغير (داعش) خريطة التحالفات في الشرق الأوسط


إحدى النتائج اللافتة لصعود "الدولة الإسلامية" في سوريا والعراق هو تغيير المفاهيم بشأن الشرق الأوسط. أحيانًا يبدوا كما لو أن الأصدقاء أصبحوا حلفاء محتملين، وبدأت الشكوك تطرق حتى أبواب الأصدقاء القدامى.

فهل نشهد حقا تحولا في الرؤى الأمريكية والأوروبية حيال الشرق الأوسط؟ من الصعب القول ذلك، لكن الأمور تبدوا أكثر اختلاطا قليلا مما كانت عليه قبل بضع سنوات.

* إعادة تقييم الأعداء

الكثير من أصوات السياسية الخارجية غير مقتنعين بأن محاربة "الدولة الإسلامية" في العراق فقط ستثبت فعالية؛ نظرًا لطبيعتها العابرة للحدود. على سبيل المثال، قال الجنرال مارتن ديمبسي، يوم الخميس: إن الدولة الإسلامية لا يمكن هزيمتها دون العمل على "جانبَي الحدود غير الموجودة الآن" بين العراق وسوريا.

وفي حين لم يكن يتوقع ديمبسي شن غارات جوية إضافية، استخدم آخرون لغة أكثر قوة؛ حيث قال السفير الأميركي السابق في سوريا، يوم الأربعاء: "بما أنهم مَحَوا الحدود العراقية السورية، ينبغي أن نلاحقهم في كل من العراق وسوريا. هم لا يحترمون الحدود، و لا ينبغي لنا أن نفعل ذلك".

لكن هناك مشكلة واضحة: أن مهاجمة "الدولة الإسلامية" في سوريا، سوف يؤدي في النهاية إلى أن تُضعِف الولايات المتحدة المتمردين السوريين الذين دافعت عنهم يومًا، وتعزز نظام بشار الأسد. وفي هذا السياق يقول "كروكر": "أنا لست مدافعا عن نظام الأسد، لكن من الناحية الأمنية تعتبر "الدولة الإسلامية" هي التهديد الأكبر حتى الآن".

التعاون مع الأسد

بل اقترح البعض التعاون مع نظام الأسد في محاولة لتدمير "الدولة الإسلامية". "صحيحٌ أن الأمريكيين مترددون في مساعدة الأسد؛ لأنه دكتاتور فاسد، ردَّ على الصحوة العربية بتوجيه فوهة جيشه ضد الشعب السوري"، كما يوضح ماكس أبرامز، الأستاذ في جامعة نورث إيستيرن والمحلل المتخصص في شئون الإرهاب، "لكن واشنطن أيضا بحاجة إلى إيجاد أفضل السبل لحماية السكان الأمريكيين".

ويضيف أبرامز: "في حين أن الأسد لم يمثل يوما تهديدا مباشرا للوطن الأمريكي، تخطط "الدولة الإسلامية" بنشاط لتنفيذ هجوم شامل ضدنا. ومن منظور الأمن القومي الأمريكي تعتبر "الدولة" هي التهديد الأكثر إلحاحا".

مثل هذه الأفكار تصيب كثيرين بالرعب، حين يتذكرون الأساليب الوحشية التي استخدمها نظام الأسد طوال الحرب الأهلية السورية. لدرجة أن عبود دندشي، وهو نازح سوري يعيش في اسطنبول، وصف أبرامز مغردًا بـ"خبير الإرهاب الذي يحب الطغاة".

الاستعانة بإيران

ورغم الخلاف الكبير بين إيران والولايات المتحدة، إلا أنها تعتبر أحد البلدان التي يعاد النظر في العلاقة معها. فالحكومة الإسلامية الشيعية تعارض بوضوح "الدولة الإسلامية"، ليس هذا وحسب بل تتمتع أيضًا بتأثير فعال على المجتمع السياسي الشيعي في العراق، وتقدم الدعم العسكري الحيوي لحكومة الأسد وميليشيا حزب الله في لبنان.

وبعد أن كان التعاون مع طهران خارج إطار التصور في معظم الظروف، يبدو أنه أصبح الآن على الطاولة. فعلى سبيل المثال، عندما تطرَّق ديفيد كاميرون لأزمات العراق في صحيفة ديلي تلجراف نهاية الأسبوع الماضي، أشار إلى طهران كحليف محتمل، قائلا: "يجب أن نعمل مع دول مثل المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة ومصر وتركيا ضد هذه القوى المتطرفة، وربما حتى مع إيران، التي يمكن أن تختار في هذه اللحظة الانخراط مع المجتمع الدولي ضد هذا التهديد المشترك".

وفي الولايات المتحدة، تطفوا فكرة العمل مع إيران على السطح منذ عدة أشهر؛ ففي يونيو، أشار وزير الخارجية جون كيري والرئيس أوباما إلى انفتاحهما للعمل مع إيران؛ لتحقيق الاستقرار في العراق واحتواء "الدولة الإسلامية". بل حظيت الفكرة بدعمٍ محدود من السناتور الجمهوري ليندسي جراهام.

وتوجد بوادر على أن هذه الكلمات يمكن أن تخرج إلى حيز الواقع. حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية يوم الأربعاء: "بدأت المحادثات مع الدول الأجنبية، بما في ذلك بريطانيا، حول كيفية التعامل مع الدولة الإسلامية". بل كانت هناك تقارير مغلوطة تفيد بأن إيران عرضت التعامل مع العراق إذا رُفِعَت العقوبات. ورغم أن الأمر تبين في نهاية المطاف أنه خطأ في الترجمة، فإنه يبدو معقولا بشكل ملحوظ في هذه اللحظة.

* إعادة تقيم الأصدقاء

تمويل قطري

أدلى وزير التنمية الألماني جيرد مولر بتصريحٍ عفوي، خلال مقابلة يوم الأربعاء مع ZDF، حرَّك بعض الموجات، حيث قال: "عليك أن تسأل من الذي يُسَلِّح ويمول قوات الدولة الإسلامية" مضيفًا: "كلمة السر هي: قطر. كيف نتعامل مع هؤلاء الناس وهذه الدول سياسيا؟"

وقطر لاعب كبير في الشرق الأوسط، وشريك اقتصادي مهم للولايات المتحدة وأوروبا. والقول بأنها تدعم الجماعة المتطرفة الأسوأ سمعة على وجه الأرض يعتبر تهمة خطيرة، لا سيما وأن مولر (المعروف بمعارضته لاستضافة الدوحة لكأس العالم) لم يقدِّم أي دليل.

وحتى إذا صدق ذلك، فهو ليس بوجهة النظر المثيرة لهذا القدر من الجدل: فبحسب أحد التقديرات التي يعود تاريخها إلى عام 2013، وجَّهت الدويلة الغنية بالنفط 3 مليارات دولار لتمويل المتمردين المناهضين للنظام السوري. ويعتقد كثيرون أن نصيبًا كبيرًا من تلك الأموال شق طريقه إلى أيدي "الدولة الإسلامية".

دعم سعودي

وقطر ليست سوى دولة واحدة فقط من كثيرين اتُّهموا بمساعدة الدولة الإسلامية بشكل مباشر أو غير مباشر. ففي مقابلة مع صحافيين فرنسيين في شهر يونيو، أشار رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي بأصبع الاتهام في المملكة العربية السعودية، الشريك الاقتصادي والسياسي الرئيس للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، قائلا: "أتهمهم بالتحريض وتشجيع الحركات الإرهابية. أتهمهم بمساندتهم سياسيا وإعلاميا، ودعمهم بالمال والسلاح". لكن الولايات المتحدة استبعدت اتهامات المالكي.

تسهيلات كويتية

وفي ديسمبر 2013 أصدر معهد بروكينجز تقريرًا أشار إلى أن الكويت، وهي حليف رئيس آخر للولايات المتحدة، سمحت بوصول الأموال الخاصة إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة. مستشهدًا بـ"أدلة على أن المانحين الكويتيين أيدوا المتمردين الذين ارتكبوا فظائع، وهم إما مرتبطون مباشرة بتنظيم القاعدة، أو يتعاونون مع الألوية التابعة لها على الأرض".

تحوُّل المواقف

لكن يبدو أن بعض الدول التي دعمت "الدولة الإسلامية" ضمنيًا بدأ تدير ظهورها عنها. فبعدما كانت تركيا، التي تشترك في الحدود مع سوريا، تبدي تسامحًا ملحوظا مع مقاتلي "الدولة الإسلامية" حتى وقت قريب جدا؛ من خلال السماح لمقاتليها باستخدام المدن التركية كممرات للأسلحة والإمدادات، أصبحت تركيا الآن تعمل مع الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية لاتخاذ إجراءات صارمة ضد المقاتلين الإسلاميين.

ورغم أن بعض هذه الاتهامات تناقضها أدلة أخرى، ترجح تعليقات مولر فكرة مساعدة حلفاء الولايات المتحدة بـ"الدولة الإسلامية". لكن المستقبل قد يشهد ما هو أكثر من الشكوك حول الدوافع، والمزيد من القلق حول كيفية استخدام حلفائنا لأموالهم. وهذا بدورة مثال آخر لتأثير "الدولة الإسلامية" الكبير على رؤيتنا للشرق الأوسط.


المصدر : واشنطن بوست

آدم تايلور- واشنطن بوست

أضف تعليقك

تعليقات  0