كويت بلد النخبويين


مهما انتقدنا المعارضة المزعجة السابقة وهاجمناها بسبب التهييج ومسلسل الشحن الذي زرعته بالبلد، تظل معها الحق في بعض الشعارات. فمن غير الانصاف ان نرمي بكل مقولاتها في زبالة العمل السياسي، فما قالته عن التهميش «بشكله العام» صحيحا مئة في المئة!

تعاني الكويت منذ الاستقلال والى اليوم الى المعنى الحقيقي للتطور والتنمية. منذ اربع سنوات او ربما اكثر ونحن على علم بأن الحكومة تريد التنمية وعندها خطط خمسية للتنمية، لكن الحقيقة «مكانك راوح»! التنمية كما جاء في افتتاحية «الراي» يوم الجمعة الماضي ليست «بكم برج وجسر». التنمية الحقيقية الاستثمار في الانسان الكويتي. نسمي الخطط والبرامج بأنها بالفعل تنموية حينما يتوقف الاعتماد على مصدر دخلنا الذي مازال مصدراً «رئيسيا» منذ خمسة عقود ويتنوع الى خيارات اخرى، التنمية حينما يبدأ الانسان الكويتي بالانجاز اكثر من ساعات بطالته المقنعة، حينما تنتفي الحاجة لخبرات خارجية، حينما ينتهي الفساد وتتلاشى مصادره، حينما يبدأ القطاع الخاص باستقطاب كفاءات محلية بدلا من فرضها عليه من المجلسين (مثلا قانون نسبة الـ 64 في المئة الجديد)، حينما تبدأ الشركات الكويتية بمنافسة نظيراتها الاجنبية في الاسواق الدولية.

في خضم هذا السياق ومن اهم شعارات المعارضة، كما قلت في البداية، «لا للنخبوية»! فالكويت بلد مُحتَكَر من قبل فئة قليلة استحوذت على مفاصل الدولة التجارية والادارية، فأهم المواقع السياسية والادارية والتجارية اسيرة بيد نخبة البلد من التجار القُدامى التقليديين او العوائل الكُبرى. نعم لا احد يشك بأن الكويت مدينة لهم خصوصا في اوائل ايامها وعند التحول للنظام الديموقراطي، لكن مع الاسف الكويت آخذة بالتراجع منذ سبعينات القرن الماضي، فلو اخذنا موضوع التنمية السابق، لوجدنا فشلا ذريعا!

وبمناسبة الحديث عن النخبوية، فهذه مشكلة لا تعانيها الكويت فقط. فقد صدر قبل مدة تقرير عن «لجنة الحراك الاجتماعي» (شكلتها وزارة التعليم البريطانية) عن حالة النخبوية في بريطانيا. اظهر التقرير ان 7 في المئة من البريطانيين يتلقون تعليمهم في المدارس الخاصة (الراقية)، لكنهم مع ذلك يشكلون 71 في المئة من كبار القضاة، و62 في المئة من القيادات العسكرية، و55 في المئة من الوزراء، و 53 في المئة من كبار الديبلوماسيين، واظن الحال نفسها مع الدول المتقدمة الاخرى.

قد يكون صدور هذا التقرير للاشارة الى ان النخبوية عندهم جاءت بالثمار المطلوبة، لكنه قد يُحمل على جانبه السيئ وبأن بريطانيا دولة عنصرية، واظن هذا الخيار اقرب للواقع بالنظر الى توصيات الغارديان (الصحيفة التي نقلت الخبر) وبضرورة مراجعة هذا الوضع ولاعطاء فرصة اكبر لخريجي المدارس الحكومية «العامة» والتوسع بالمنح الدراسية الجامعية للمحتاجين من بسطاء المجتمع وإلى غيرها من التوصيات، لكن برأيي أن ما يشفع للبريطانيين أن انجاز اولئك النخبويين يظل واضحا للعيان ولبقية افراد المجتمع، على عكس حالنا هنا!

وعلى فكرة يجدر القول إن ما حصل في مدينة فيرغسون الاميركية قبل اسابيع مرده بالاساس الى هذه الطبقية النخبوية، فمع ان الرئيس اسود منذ 2008، الا أن الرجل الاسود في فيرغسون مستاء جدا بحسب مقالة للكاتب جيلاني كوب (مجلة النيويوركر الاميركية). فمقتل الشاب مايكل جونسون على يد شرطي ابيض في المدينة، فجّر اضطرابات شديدة هي في حقيقتها تنفيس لحالة احتقان شعبية ضد طبقية تعيشها المدينة منذ أيام مارتن لوثر في الستينات.

فمع أن العنصر الاسود في المدينة يمثل، بحسب كوب، نسبة 67 في المئة من السكان، لكن مع ذلك لم يعيّن أي شخص اسود في منصب العمدة Mayor، وخمسة (من بين ستة) اعضاء من مجلس المدينة هم من البيض، وفقط ثلاثة من بين الـ 53 من كبار ضباط شرطة المدينة من اصحاب السحنة السوداء!

الخلاصة، كلنا نعلم اننا بلد نخبوي طبقي بامتياز. ولو كانت هذه النخبة حققت الانجازات لشفع لنا التاريخ، لكن الاثنين معا (طبقية ورجعية)، فهذا ما يجعل شعار المعارضة مقنعا!

hasabba@gmail.com
أضف تعليقك

تعليقات  0