حفاظاً على كويت الحريات والدستور


الحرية هي القيمة الحقيقية لاحترام الإنسان، تماماً كما هي محور للنظام الديموقراطي، ولا حرية مطلقة بلا ضوابط وأهمها اثنان: الأول داخلي في الإنسان وهو عدم التعسف في استخدام الحرية، والثاني مجتمعي وهو تنظيم ممارسة الحرية. ولا سلامة لدولة ولا شعب يتجاوز أيا منهما. ذلك ان الحقوق والحريات، مثل: التعبير عن الرأي والصحافة والامتناع عن العمل (الإضراب) والتجمع والتظاهر السلمي والتنقل والإقامة والحق بالمواطنة وغيرها من الحريات التي كفلها الدستور، لا تثريب على من يختار ممارستها ولا يجوز أن يمنع الناس من القيام بأي منها مسبقاً. ولا شك أن هناك خطوات واقعية فعلية قامت بها الحكومة تمثل تجاوزاً على هذه الحريات أو الانتقاص منها بدوافع ومبررات سياسية، وليست قانونية، وهذا أمر محظور عليها ومخالف للدستور.

ونشير إلى أن التجمع، ومثله الإضراب، لا بد أن يكون سلمياً وخالياً من مظاهر الشغب أو تحدي قوات الأمن الحارسة له والمراقبة لما فيه، مقيداً باماكن لا تسبب الإرباك والزحام وتعطيل حركة الناس أو مصالحهم. وتتم بزمن محدود وبساعات مقبولة لا تمتد إلى أوقات متأخرة من الليل، ومثله يسري على التظاهر والمسيرات.

إن تعامل الحكومة ووزارة الداخلية مع هاتين الحريتين ينطلق أساساً من مبدأ عكسي لأحكام الدستور ألا وهو المنع والتحذير من ممارستهما هو خطاب ينافي كفالة الدستور لهما ولا يتوافق من النظام الديموقراطي الكويتي، ويتنافى مع واقع قبول وسماح الحكومة أو وزارة الداخلية للناس من التحذير من ذلك!

وفي المقابل، فإن عقد الإضرابات أو التجمعات بأماكن متعددة وفي آن واحد هو ضرب من التكتيك السياسي، خلافاً لمقاصد الحرية، لأنه يربك الجهات الحكومية المشرفة على النشاط، وكذلك قوات الأمن ومن ثم الدولة ولا يسعفها على القيام بحسن الحماية والمراقبة المطلوبة.

إن القبض والحبس الاحتياطي، يجب أن يستخدما عند اللزوم وفي الحالات التي تستدعيهما حتى لا يكونا سيفا مصلتا على الحرية، والأهم أن يتما بتطبيق عادل للقانون لكل من يكون مستحقاً لذلك، لا تطال أشخاصا ويتم تجاوزها لآخرين وهو بيت الداء بكل أسف، وفي الوقت نفسه لا يجوز لأحد أن يعتقد أنه بعيد عن تطبيق ذلك عليه مهما عمل! وإلا ضاع كل اعتبار لسلطة الدولة.

حينما تستهدف الحكومة الحريات من خلال التوسع بالتضييق على الناس أو ملاحقتهم لموضوعات بايتة بحثاً بملفات قديمة، أو حينما تقدم مشاريع قوانين لمحاصرة الحريات وتطويقها، فإن علينا أن ندرك أن هذه الحكومة قد يكون لديها عجز في إدارة البلد بطريقة ديموقراطية. ولذا، فقد سلكت الخيار الأمني المطارد للحريات، لأن الحالة السياسية العامة في البلد لا تسر خاطر أي مواطن غيور فهي مزيج من الإحباط وعدم الرضا الشعبي من جهة، وضياع لاحترام السلطات وخطابات تحرض على ذلك، وكلا الأمرين لا يصح معهما قمع الحريات أو منعها أو إلغاء مرجعية السلطات والتحريض عليها، إذ إن الفوضى ستكون البديل في الحالتين، وهو خيار مرفوض، وأي منهما لا يخرج البلد من دوامته، ولا يضفي مشروعية قانونية على تصرف أي طرف، ولئن كان ما يميز الكويت دائماً أنها بلد الحريات والديموقراطية والقانون فإننا نخشى أن تتآكل هذه الصورة بسبب ممارسات الحكومة غير المسؤولة غالباً.



أ. د. محمد عبدالمحسن المقاطع

dralmoqatei@almoqatei.net
أضف تعليقك

تعليقات  0