الدعم بين العيني والنقدي



على أي حال، حتى لو افترضنا قدرة الحكومة على إدارة الدعم النقدي رغم ما تحتاجه هذه العملية من أجهزة إدارية حديثة ومتطورة وقوى بشرية مؤهلة ومدربة وميزانية مالية ضخمة، فإن اختلالات الموازنة العامة للدولة لن يحلها بشكل عادل وموضوعي التركيز على قضية دعم السلع الأساسية والخدمات الضرورية.

الهدف من دعم السلع الأساسية والخدمات الضرورية الذي تقدمه الدولة هو ضمان حصول فئات اجتماعية محددة، وبالذات ذوو الدخول المتوسطة والمتدنية والفقراء على هذه السلع والخدمات، ويصبح الدعم الحكومي ضروريا من أجل التخفيف من مآسي نظام السوق المنفلت وعدم عدالة توزيع الثروة والدخل، لأنه لو ترك الأمر في هذه الحالة من دون ضوابط صارمة ودعم حكومي فلن يتمكن من الحصول على السلع الأساسية والخدمات الضرورية إلا الذين يملكون الثروة وأصحاب الدخول المرتفعة، وبالطبع فإن الوضع يزداد سوءاً عند ارتفاع معدلات التضخم النقدي وزيادة الأسعار وغلاء المعيشة، وتكون له انعكاسات سلبية للغاية على المجتمع والدولة ككل من الناحيتين الاجتماعية والسياسية.

ومنذ فترة طويلة والحكومة تتحدث عن نيتها إلغاء دعم بعض السلع الأساسية والخدمات الضرورية، ومؤخراً صرّح وزير المالية السيد أنس الصالح عن التوجه الحكومي إلى تحويل بعض الدعم العيني المعمول به حاليا إلى دعم نقدي مباشر، حيث أعلن "أن الحكومة بدأت وضع الخطوات الاستراتيجية لمعالجة الاختلالات المالية والاقتصادية في قطاعات الدولة المختلفة، مشيراً إلى الاستمرار في جهود ترشيد الإنفاق العام، والسيطرة على الدعم عبر توجيهه لمصلحة المستحقين، بتحويله إلى صورة نقدية، بحيث يصرف مباشرة للمواطن بدلاً من غير المباشر المنخفض الكفاءة" (الجريدة 5 يوليو 2014).

وبالرغم من أن الوزير قد ذكر أن سبب تحويل الدعم الحكومي إلى نقدي بدلاً من عيني هو "انخفاض كفاءة" العيني فإنه لم يوضّح كيف توصلوا إلى هذه النتيجة، خصوصا أن الدعم العيني أفضل بكثير من النقدي لسببين على الأقل، الأول هو الصعوبة البالغة في حصر كل الشرائح المستحقة للدعم النقدي، والسبب الثاني هو احتمال انخفاض قيمة الدعم النقدي الذي تتحكم فيه آليات السوق (العرض والطلب)، وبالتالي ليس بالضرورة أن يتمكن من يحصل عليه من شراء السلع الأساسية والخدمات الضرورية التي يحتاج إليها.

وعلى أي حال، حتى لو افترضنا قدرة الحكومة على إدارة الدعم النقدي رغم ما تحتاجه هذه العملية من أجهزة إدارية حديثة ومتطورة وقوى بشرية مؤهلة ومدربة وميزانية مالية ضخمة، فإن اختلالات الموازنة العامة للدولة لن يحلها بشكل عادل وموضوعي التركيز على قضية دعم السلع الأساسية والخدمات الضرورية، وبالذات الدعم الذي يستفيد منه أصحاب الدخول المتوسطة والمتدنية، واعتبارها هي القضية المحورية في الوقت الذي يتم فيه إهمال معالجة الاختلالات الهيكيلة الأخرى الأكثر أهمية، والتي تفترض أن تُعطى الأولوية مثل تنويع مصادر الدخل وتنمية الإيرادات غير النفطية من خلال إعادة تسعير أراضي الدولة وأملاكها وفرض ضرائب تصاعدية على أرباح الشركات وعلى الدخول المرتفعة، ثم معالجة الخلل في تركيبة قوة العمل وإعادة هيكلة الجهاز الإداري والمالي وتطوير العمل المؤسسي والتصدي بشكل جدي لقضايا الفساد بأشكاله كافة، وفي مقدمتها الفساد السياسي حيث لا تنمية مع الفساد.
أضف تعليقك

تعليقات  0